د. الحسين الموس يكتب: فقه العشر الأوائل من ذي الحجة في ضوء مقاصد الاستخلاف وحفظ البيئة

تمهيد
شرع الله تعالى لعباده أنواعا من العبادات والقربات، وهي وإن كان مقصدها الأصلي القرب منه سبحانه والتعبد له، إلا أن فوائدها تعود على الإنسان في نفسه ومحيطه. وقد قال الله تعالى عن بعض أحكام الهدي والأضاحي: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37]، ونبه النبي عليه الصلاة والسلام على أهمية الإحسان في كل شيء فقال فيما رواه الإمام أحمد عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّنَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».
وإن المسلم بحكم استخلافه في الأرض مطالب بأن يراعي مقصد الاستخلاف والعمران في كل مناشطه، وأن يتنبه للمتغيرات التي تصاحب وسائل تحقيق العبادات المطلوبة ومن ذلك ما له علاقة بكثير من شعائر عشر ذي الحجة كالهدايا والأضاحي والحلق ورمي الجمار وغيرها، خاصة مع تغير الأزمان، وارتفاع عدد المقبلين على الحج والشعائر، مع ضيق مساحة الشعائر وقد أخبر تعالى عن دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].
إن العشر الأولى من شهر ذي الحجة تجمع شعائر متعددة للحاج ولغيره، وفيها نفحات ربانية متعددة، والعمل الصالح فيها أحب الله من غيرها؛ روى الترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن أيام العملُ الصَّالِحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العَشْرِ، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجِهادُ ؟ قال: ولا الجِهادُ، إلا رجل خَرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومَاله، فلم يرجع بشيء». وإن من الأعمال الصالحة العظيمة فيها غير التعبد المحض كالصلاة والصوم والذكر والدعاء أن يحترز المسلم فيها عن تلويث البيئة، وعن كل مظاهر الفساد والتبذير التي تتنافى مع حرمة الزمان والمكان. وهذا البحث محاولة للوقوف على بعض ما يتعلق بأحكام العشر، وتتأثر به البيئة التي أمرنا بحفظها ومنع إفسادها حيث قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]. ففي الآية نهي عن الإفساد، ودعوة إلى الاحسان.
المحور الأول: مقصد الاستخلاف وترشيد الاستهلاك
1- مقصد الاستخلاف ومنع الفساد
أخبر الحق سبحانه عن وظيفة الانسان قبل خلقه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. وبادرت الملائكة انطلاقا مما علّمها الله تعالى إلى التساؤل حول ما يمكن أن يقوم به الانسان من إفساد للأرض ومدخراتها: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]. وكان ما أراد الله تعالى، وأنزل الإنسان إلى الأرض، ونهاه عن الإفساد فقال: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، وحذر سبحانه من التشبه ببعض من يعجبك ظاهره لكنه لئيم الطبع مفسد للحرث والنسل فقال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 – 206].
إن المسلم وهو يمارس أنواعا من العبادات مطالب بأن يراعى حرمة الإنسان، وحرمة ما به قوام عيشه، وقد جعل علماء المقاصد ضمن الضروريات الخمس بعد الدين: حفظ النفس، والعقل، والنسل، والمال. ولن تحفظ هذه الأربع على الوجه الصحيح إلا بحفظ مقومات الحياة. ولقد رغب النبي عليه الصلاة والسلام في حفظ أمكنة إقامة الشعائر، وجعل من ضمن السيئات ما يوضع في المسجد من نخامة تؤذي المصلين: روى مسلم عنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِى مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِى مَسَاوِى أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِى الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ». وهو يفيد أن المسلم مطالب بحفظ طهارة الأماكن المقدسة، وبأن يسهم في منع تلويثها.
2- العشر من ذي الحجة مدرسة في ترشيد الاستهلاك
إن أول ما ينبغي التنبيه إليه بيان كيف تحولت بعض المواسم الشرعية من مواسم عبادة إلى مواسم استهلاك مفرط، ولئن كان الشارع قد أذن للحجاج ولغيرهم أن يبتغوا من فضل الله بالتجارة في الحج، فإنه لابد من مراعاة القصد، وترشيد الاستهلاك سواء قبل الذهاب إلى الحج أو أثناء الإقامة في الأراضي المقدسة. فمن المعاني الكبرى للحج والتي ينبغي استخلاصها مما يلبسه الحاج (ثوبين غير مخيطين) أن الشارع يريد من المسلم أن لا يغالي في المظاهر، وأن ينفق على طعامه ولباسه باعتدال. وقد بوب البخاري في جامعه الصحيح: باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “كُلْ مَا شِئْتَ، وَالبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَة. فالضابط في الاستهلاك هو تجنب الإسراف، وتجنب الخيلاء والتكبر والتعالي على الناس.
وإن من صور التبذير المنهي عليه الذي يقع فيه الحجاج الإسراف في إقامة وليمة وداع الحاج، وأخرى لاستقباله، وكذلك الإكثار من المتاع المحمول لتلك الديار مما يثقل ويعيق وقد لا يستعمل، ومن ذلك أيضا تبذير الطعام حيث يأخذ الحاج أكثر من طاقته وحاجته والبقية ترمى في القمامة وتؤدي إلى تلويث البيئة. لقد منعت السلطات في السعودية الطبخ الفردي داخل الفنادق، والزمت البعثات والوكالة بتوفير الإطعام الجماعي، وهي عملية يحصل فيها ترشيد الاستهلاك، وتوفير الأغذية المألوفة لحجاج كل بلد، لكن الذي يظهر من خلال المعاينة أن الوعي بقيمة الطعام، وبخطورة الإسراف فيه لازال ضعيفا في صفوف الحجاج والمعتمرين. وهكذا تجد الحاج ينزل للمطعم، ويأخذ من كل الألوان كميات كبيرة ثم يترك أكثر من نصفها يرمى في القمامة، فيتسبب في هدر الطعام من جهة، ويَحْرِمُ منه من جاء متأخرا من إخوانه من جهة ثانية، ثم من جهة أخرى في زيادة الضغط على البيئة وعلى طرق التخلص من النفايات.
إن ترشيد الاستهلاك ليس مجرد سلوك اقتصادي نافع للفرد وللأمة، بل هو عبادة وأدب شرعي، يتقرب به المسلم إلى ربه سبحانه، خاصة عندما يجدد نيته في كل ذلك.
المحور الثاني: الوعي البيئي في شعائر الحج
إن الحج مدرسة للتربية على الوعي البيئي الجماعي، وإن عبادة الحج والعمرة تقام في مساحة جغرافية صغيرة، وإذا كان أقصى عدد الحجاج في العهد النبوي لم يتجاوز 100 ألف في حجة الوداع، فإن عدد المعتمرين اليوم في رمضان وكذلك في موسم الحج يتجاوز ثلاثة ملايين، وهو ما يحتم على الأمة أن تعي وتستوعب التصرفات الحميدة والصديقة للبيئة، والتي تديم الموارد وتمنع تلويث البيئة. كما أن شعائر الذبح سواء الهدايا أو الأضاحي تحتاج إلى إحسان وترشيد حفظا لموارد البيئة. وإن جوهر العبادة يدعو إلى ألا يكون الفرد سببا في إفساد البيئة والكون.
إن الحج في زماننا يطرح تحديات بيئية متعددة، فمن ذلك كثرة النفايات البلاستيكية، وهدر المياه. غير المبرر، وإلقاء فائض الطعام في القمامة، إضافة للبصمة الكربونية المرتبطة بانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون والذي له تعلق بالفرد في حركته وتنقله وفيما يستعمله من آلات للطبخ وغيره. ومن القضايا الشرعية التي يمكن طرحها، ولها صلة بالبيئة:
1- منع تنفير الصيد والفساد أو الاعتداء في الحرم:
جعل الله تعالى من مفسدات الحج التي تُجبر بالذبح عند القيام بها أن يصطاد الحاج أو أن يؤذي الحيوان أو النبات. روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». وفي كل هذا تدريب للحاج على احترام التوازن البيئي في حله وترحاله. وإذا كان عامة الحجاج يتحرجون عن قتل البعوض وعن الصيد أو تنفير الحمام، فإن المطلوب منهم أن يتحرجوا أكثر من إيذاء المسلم بزحام أو تدافع في وسائل النقل، أو عند الدخول والخروج من الحرم. ومما ذكره أصحاب السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أمور كثيرة في الحج مما قدم أو أخر فكان يجيب افعل ولا حرج ثم قال- صلى الله عليه وسلم -: “عِبَادَ اللهِ، وَضَعَ اللهُ الْحَرَجَ، إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَاكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ”.
2- مواقيت الحج المكانية وتجنب الإزدحام والترغيب في النقل الصديق للبيئة:
جعل الله للإهلال بالحج أو العمرة ميقاتا مكانيا، يختلف حسب جهة القادم روى البخاري عن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وقد سأله رجل مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: «فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ». ومن جهة أخرى ثبت الإرداف في سفر الحج عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ بوب البخاري: بَابُ الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافِ فِي الحَجِّ، وأورد فيه حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلاَهُمَا قَالَ: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ».
إن التنقل اليوم بين المشاعر، وبين مكة والمدينة وغيرهما من المزارات أصبح له أثر بين على البيئة من حيث الانبعاث الحراري، وتلويث الهواء، وهدر الطاقة، ومن ثم تظهر أهمية التفكير في البدائل الصديقة للبيئة، من مثل النقل الجماعي بدل الفردي، والذي يسهم في التعاون وترشيد الاستهلاك، وأيضا في تقليل الإزدحام وترشيد استهلاك الغاز وحفظ البيئة. ولقد اهتدى القائمون على الحج بالسعودية إلى استعمال القطار الكهربائي للنقل بين الحرمين وداخل مشاعر الحج وهي وسيلة جيدة يرجى تعميمها وتيسيرها بشكل كبير لجميع الحجاج والمعتمرين.
3- السقاية والحاجة إلى حفظ الماء خاصة ماء زمزم:
من الحاجات الأساسية للإنسان شرب الماء، وقد أكرم الله تعالى آل إبراهيم بعين ماء زمزم، والتي أصبح الشرب والتضلع منها لاحقا من سنن الطواف بالبيت، وماؤها ميسر اليوم للحجاج والمعتمرين في كل جنبات الحرمين الشريفين. وكانت سقاية الحجاج من المهام المُشرفة التي يُحرص عليها. روى البخاري ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ [ص:156] لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، «فَأَذِنَ لَهُ» أي أن يبيت في مكة ليأتي للحجاج بالماء منها وهم في أيام منى الثلاث. واجتهد الخلفاء في إيصال المياه الصالحة للشرب من المدينة إلى مكة خاصة خلال العهد العباسي، وهناك جهود كبيرة تبذل اليوم لتوفير كميات كافية من الماء الصالح للشرب وتوزيعها على الناس، ويقوم الزمازمة اليوم بنقل ماء زمزم في أكياس كبيرة مغلقة، ويضعونه في ثلاجات في كل جنبات المسجد الحرمين.
إن المطلوب من الحاج والمعتمر أن يقدر هذه النعم، وأن يعلم أن من تمام شكرها أن يبتعد عن كل مظاهر التبذير التي ترى وتشاهد باستمرار. فكم من الأكياس المملوءة بالماء ترمى قبل إتمام ما فيها، وكم يبذر من ماء زمزم أثناء الوضوء؟ إن من السنة في الطهارة أن يقتصد المسلم في استعمال الماء، وإن وفرة الموارد وكثرتها لا تُبيح التصرف غير الرشيد فيها وتبذيرها، روى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».
4- مشروعية ترك المبيت بمنى يوم ثامن ذي الحجة وبعض فوائده:
من سنن الحج أن يبيت الحاج بمنى يوم ثامن ذي الحجة، وقد فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا المبيت ليس ركنا ولا من واجبات الحج خاصة مع كثرة الزحام وصعوبة الوصول لمئات الآلاف إلى منى ثم الذهاب منه إلى عرفات. وقد رجح لدى القائمين على الحج في السعودية نقل أغلب الحجاج مباشرة إلى عرفات دون المبيت بمنى ليلة التاسع، على أن يحصل ذلك في الأيام اللاحقة لأنه واجب. ولا شك أن هذا التدبير يحقق مقاصد كبرى منها ما يتعلق بحفظ النفوس من حيث سلامة الحجاج، وتقليل التنقل بالحافلات، وترشيد الاستهلاك، ومنها ما يسهم في حفظ البيئة من حيث التقليل من المياه التي تنقل لمنى، والتقليل من مصاريف الطاقة الكهربائية وتغليف الأطعمة ووسائل النقل والتبريد.. وكلها مقاصد يترتب عيها حفظ كليات كبرى للشريعة الاسلامية.
إن الحاج المسلم وهو يمتثل للتعليمات الرسمية في تدبير تنقلات الحجاج يؤجر عند الله تعالى، ولا ينبغي له أن يضجر من ذلك ولو خالف مذهبه، وأن يعلم كما سبقت الإشارة أن الحرج هو في الاعتداء على النفوس، أو إلحاق الأذى بها. ومن ثم فلا حرج في الامتثال لذلك خاصة بالنسبة للعجزة والضعاف أن ينقلوا مباشرة لعرفات، ويقفوا الموقف، ثم يفيضوا إلى مزدلفة وبعدها يقرون بمنى في الأيام المعدودات.
5- المشاعر شرعت لإقامة ذكر الله لا للتباهي
ومما يتعلق بمناسك الحج والعمرة أن النبي عليه الصلاة والسلام أكد في كثير من أحاديثه أن المشاعر شرعت لإقامة ذكر. روى الإمام أحمد عن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”. وإن الناظر في أحوال الحجاج والمعتمرين اليوم يلاحظ أن هذه العبادات تحولت إلى طقوس سياحية، يتقاسم فيها الناس أحوالهم مع الغير في منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، فيغفلون عن ذكر الله والتبتل إليه في تلك البقاع الطاهرة.
إن هذه الغفلة إضافة لكونها لا تليق بالحجاج والمعتمرين، لها مفاسد متعددة نذكر منها:
- عدم الإخلاص لله تعالى في تلك البقاع، وحصول الرياء والمباهاة في عبادة أساسها الإخلاص لله رب العالمين.
- التشويش على الطائفين والساعين بالحديث وبإيقافهم لالتقاط الصور وغيرها، وقد خاطب الله تعالى إبراهيم عليه السلام فقال له: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [الحج: 26]
- هدر الطاقة من خلال كثرة الفيديوهات والاتصالات والحاجة المستمرة إلى شحن الهاتف وإعادة شحنه، وكذلك تبذير المال وتلويث البيئة بالتعبئة المستمرة لأجل التقاسم اللحظي مع الغير. وحسب بعض التقديرات العلمية فإن متوسط انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن استعمال هاتف ذكي تقدر بما بين 15 و60 كيلوغراما سنويا.
المحور الثالث: الأضحية بين مقصد التعبد وفقه الاستدامة
أولا: الأضحية شعيرة تعبُّد لا مظهر استهلاكي
أما بالنسبة للأضحية فهي من شعائر الله أيضا، وهي تذكر المسلمين بالتضحية والتسليم لأمر الله تعالى، كما في قصة إسماعيل عليه الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ .وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِين. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 103 – 107]. ومقصود الأضاحي تقوى الله وإحياء سنة إبراهيم ثم التوسعة على الأهل والعيال، وقد قال تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾. وهي تجزئ بما تيسر دون غلو ولا تفاخر. وهي سنة للقادر عليها قال مالك: ” الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ قَوِيَ عَلَى ثَمَنِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا”.
ولقد كان هدي الصحابة رضي الله عنهم أن يضحوا بما تيسر، أما التفاخر والمباهاة فقد جاء بعدهم. روى مالك عن عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً”. وقوله “كنا” يعني أن ذلك هو الذي جرى به العمل عندهم. وقد استفحل الأمر في زماننا فانتقلت المباهاة إلى العالم الرقمي حيث يقوم الأفراد بتصوير الخروف وحجمه مع بيان ثمنه، ويسهم ذلك في تأجيج التنافس غير المحمود على التكلف، والذي قد يوقع الفرد في الدين وإرهاق كاهل الأسرة، وهكذا خرجت الأضحية عن مقصودها الشرعي.
ثانيا: من فقه الأضحية منع الهدر
ومما يتعلق بالأضاحي أن الإسلام يدعو إلى الانتفاع بكل أجزاء الحيوان المذبوح، ترشيدا للموارد وحفظا للبيئة من الفساد، وقد أمر فيما يخص الأضحية بأن يؤكل منها ويهدي ويتصدق ببعض لحمها، ولا بأس بالادخار عند الحاجة. روى مالك عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا”. واعتاد المغاربة خاصة في عيد الأضحى أن يحفظوا “إيهاب الخروف” ويستعملوا صوفها وجلدها بعد دبغه في صناعة الجلود والثياب وغيرها. ورغّبت السنة بالانتفاع أيضا بجلد الميتة من الحيوان رغم أن أكله لا يجوز لنجاسته، روى مالك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا”. وإن مما يؤسف له أن جشع المصانع الحديثة أضعف الصناعة التقليدية وقلّل من الإقبال عليها، فحرم الأمة من الانتفاع بأجزاء الذبائح، الشيء الذي يتسبب في أطنان من بقايا أحشاء الذبائح وجلودها في مطارح النفايات.
ثالثا: البعد البيئي في الذبح ونقل البهائم
كان الناس قديما ينتظمون داخل المدن في مساكن كبيرة، وقد يكون بجوارها اصطبلات للبهائم ولبعض الحيوانات الأليفة خاصة في المدن الصغيرة، وكان من الأمور الاعتيادية أن يربي الإنسان في بيته بعض الطيور أو الدواجن وربما بعض الخراف، وينتفع بها عند قدوم ضيف أو في بعض المناسبات كعيد الضحى. لكن اليوم أصبحت المدن الكبرى عبارة عن إقامات مرتفعة، ومساكن ضيقة بحيث يتعذر ذلك، وقد يسهم تواجدها في بعض الإشكالات البيئية. وهكذا أقيمت المجازر الكبرى بجوار المدن، ونظمت عمليات الذبح بطرق عصرية.
وخلال عيد الأضحى جرت العادة – على الأقل عندنا في المغرب- على إقامة أسواق للغنم مع اقتراب عيد الأضحى، ويتم فيها بيع الأكباش وتيسير الحصول عليها لإقامة شعيرة الأضحية، وفي الغالب تحفظ عند الباعة إلى ما قبل العيد بيوم أو يومين. أما في بلاد الغرب فإن نقل الماشية يتم بشروط صارمة، وغالبا ما يمنع في كثير من البلدان، فليجأ مسلموها إلى شراء الأضحية من الضيعة وذبحها هناك ثم نقل لحمها لاحقا بطرق صحية وحسب الإمكانيات.
إن ذبح الأضحية شرعا يكون يوم العيد وبعده أيضا في اليومين الموالين، ولا يشترط لصاحب الأضحية أن يحضر الذبح بنفسه، ويمكنه أن ينوب عنه من يقوم بذلك. كما أن الهدي في الحج أصبح يتم من خلال شراء القسيمة، وتتولى المؤسسات المكلفة عملية الذبح والتجميد والتجفيف ونقل فائض اللحوم إلى البلدان المسلمة الفقيرة. ومن تم وحرصا على حماية البيئة يمكن التفكير في بعض المقترحات التي تحافظ على الشعائر وعلى إشراك الأسرة فيها، مع حفظ البيئة وضمان السلامة ومن ذلك:
- في البوادي الأمر يسير ولا يطرح أية إشكالات، فالتدوير يتم بشكل تلقائي، والمساحة شاسعة للذبح وللتخلص من الأحشاء وغيرها، ولا يحتاج إلى جمع النفايات كما هو الحال في المدينة.
- في المدن الكبرى يمكن للدولة أن تفتح المجازر البلدية لاستقبال الأضاحي وترقيمها، ويتم الذبح فيها خلال الأيام الثلاثة للعيد، ثم تسلم الأضاحي إلى أصحابها بطرق صحية، وبهذا يتم تفادي تجميع النفايات في الأحياء، وتلويث البيئة بما يطرح فيها بعد الذبح.
- يمكن أيضا في جل المدن التنسيق مع أصحاب الضيعات المتاخمة للمدن والذين يقومون بتسمين الأغنام، بحيث بعد الشراء تبقى الأكباش في المزرعة، وتنصب خيام لإقامة شعيرة الأضحية هناك في تجمعات عائلية، وبهذا يبقى مشهد الأضحية متيسرا مع حفظ البيئة أيضا. ولعل هذه الصورة هي المعمول بها في بعض دول الغرب، وهي الأولى شرعا في بلد يمنع فيه القانون الذبح في البيوت، لئلا يعرض المسلمون أنفسهم للملاحقات القضائية في أمر فيه سعة.
- ولو قدرنا الاستمرار في إقامة الذبح بالمنازل وداخل المدن الكبرى، فإن المطلوب من المسلم أن يحسن فيه، وأن يجتهد في التخلص الصحي من بقايا ومخلفات الأضاحي، وأن يكون عونا لعمال النظافة في حفظ البيئة. كما يمكن للمسؤولين أن يضعوا أكياسا خاصة تسهل عملية عزل المواد العضوية عن غيرها خاصة خلال مناسبة العيد.
إن الإسلام يدعو أهله إلى أن يُؤدوا الشعائر دون أن يتسببوا في تدمير البيئة، أو في إلحاق الضرر بها. وبإمكان المسلمين أن يقدموا صورة حضارية تليق بدينهم من خلال اتباع السنن، مع التحرز والاحتياط لحفظ البيئة ولترشيد الاستهلاك. ولعل المطلوب أن ينخرط العلماء والمؤسسات الدينية في نشر الوعي بأبعاد الشعائر، وأنها تقام لأجل حصول التقوى والإحسان فيها.
خاتمة:
إن العشر الأولى من ذي الحجة موسم لإحياء معاني التوحيد والتقوى والاستخلاف، ولا يكتمل تعظيم الشعائر إلا بحفظ مقاصدها الكبرى، ومن أعظمها حفظ الإنسان والكون والنعمة من العبث والإفساد. فكما نتقرب إلى الله بالنسك، نتقرب إليه كذلك بحسن التدبير، وترشيد الاستهلاك، وصيانة البيئة، لأن المؤمن ليس صالحا في عبادته فقط، بل صالح في أثره على الأرض والناس والموارد. يقول الله تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض﴾.





