الرئيسية-غير مصنفمقالات رأي

ذ محمد يتيم يكتب: في النقد الثقافي لنموذج الزعيم و جماعة الأتباع في الأحزاب المغربية

ثقافة الزاوية والشيخ والمريد

تقدير دور الزعامة لا يمكن أن ينتهي إلى شيء شبيه بالتقديس، فهناك مسافة واسعة بين التقدير والتقديس ومن التقدير لـ” الزعيم ” حمايته من خطر التقديس وحمايته من استهواء وغواية بعض الأتباع ، ومن خطر أي نزوع يجعل الزعامة مساوية للمؤسسة أو فوق المؤسسة وفوق مرجعيتها وعلويتها واجتهادها الحماعي.

انزعج أكثر من ردود الفعل والتعليقات المتشنجة تجاه أي نقد أو اختلاف لفكرة أو موقف أو خطاب صادر من زعيم أو قيادي مهما علا شأنه، ومهما كان بلاؤه ومهما كانت سابقيته ؛ يستوى في ذلك ” زعيم ” سياسي أو زعيم تربوي أو شيخ صوفي يكون الناس بين يديه كما يكون الميت بين يدي غاسله. كيف يكون هذا لزعيم أو شيخ أو ولي، وكان الصحابة بين يدي رسول الله أيقاظا غير رقود يراجعونه وهم يعلمون أنه مؤيد بالوحي.

لقد أشار الدكتور أحمد الريسوني إشارة لطيفة في كتابه ” الشورى في معركة البناء ” تتعلق بواقعة “شورية” من ربنا عز وحل لملائكته كما جاء في قوله تعالى :” وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة” .. الآية، تعليما لخلق التشاور وهو خالق الملائكة والمستغني عن إخبارهم أومشاورتهم ، وهو ما تجلى في الحوار الذي دار في الملأ الاعلى عند مراجعة الملائكة له بقولها : ” أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك “.

لو كان هناك شخص يحتاج الى تعظيم يصل الى حد التقديس لكان أولى بذلك المعصوم محمد رسول الله وأكمل الناس خلقا وخلقة . لو جاز أن يستعلي شخص ويستغني عن المراجعة والتشاور لكان أولى بذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أنزعج هذا الانزعاج وأدق ناقوس الخطر لبروز مظاهرىد عدة لثقافة مترسخة في لاشعورنا الجمعي والثقافي؛ وهي ثقافة الزاوية أو نموذج جماعة الأتباع التي تعيد بناء علاقة الشيخ بالمريد ليس في الزوايا الصوفية بل في التنظيمات المدنية والحزبية والدعوية والثقافية !!

النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي راجعه ربه وعاتبه في كثيرا من تقديراته، وذلك في عدة مواقع من القران الكريم، ومن ذلك مراجعته في التعامل مع الأسرى حيث نزل في ذلك قوله تعالى :” ” مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”. وفي قوله تعالى في زواجه من زينب، وكان ذلك أمرا إلهيا لحكمة واضحة هي تشريع تحريم التبني إذ قال تعالى ” أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ” حيث أَذِن الله في زواجه من زينب بعد أن طلقها مولاه زيد متبناه ، تشريعا أن المُتَبَنَّى لا يمكن أن يكون ابنا وأن أحكامه ليست هي أحكام الابن من الصلب كما في قوله تعالى : ” وإذ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَٰاكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا “.

ومنها قوله تعالى : ” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها والله يسمع تحاوركما إن الله سميع عليم ” و غير ذلك من نظير هذا في القرآن الكريم . وكان الصحابة يراجعونه في اجتهاداته وتقديراته التدبيرية كما حدث في بدر؛ وخاصة حين كانوا يتأكدون أن الأمر مرتبط بتدبير واجتهاد بشري من قبيل إدارة المعركة والخبرة العسكرية واختيار الموقع الأفضل لمنازلة الخصم : ” أهو منزل انزلكه الله أم هو الحرب والمكيدة ” فلما تبين أن الأمر يرتبط بالخبرة البشرية قالوا : إنه ليس بمنزل !

وبكلمة جامعة المرجعية هي مرجعية الكتاب والسنة لا مرجعية الزعيم :” ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون “،
وهنا فارق جوهري بين مرجعية أهل السنة التي هي مرجعية الكتاب والسنة، والمرجعية عند الشيعة -التي هي مرجعية الإمام الغائب والولي الفقيه الذي يمثله وينوب عنه في ” غيبته ” حاجة القيادة للاعضاء الناصحين وليس المادحين المجاملين.

إن نصيحة القائد أو المسؤول ومراجعته فيما قد يصدر عنه مما يعتبر خطأ في التقدير أو خطا في المنهج أو تجاوز في حق الغير ، هو من صميم المرجعية وروحها ؛ ومن ثم فالقيام به واجب والسكوت عنها تقصير ، وممالأة القائد في الخطأ التقديري أو المنهجي أو السلوكي مهدد بتراجع الخيرية في هذه الأمة ” لا خير فيكم ان لم تقولوها “. والتحرج من النصيحة وكراهيتها من جهة المنصوح ليس من خلق المسلم حتى إن النبي صلى البه عليه وسلم ساواه بالنصيحة فقال :” الدين النصيحة .قالوا لمن يارسول الله .قالوا : لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم “.

والانتفاض ضد أي نقد او نصيحة للقائد أو المسؤول والحساسية المفرطة ضده، واتهام من يقوم به ومجابهته بحجة أن المعني بالأمر قائد ملهم أو صاحب فضل وسابقة هو خلل فكري ومنهجي؛ يتعارض مع كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرص على الاستماع، بل هو متعارض مع توجيهات القرآن الذي حاء ليعزز التشاور والاستماع من قبل القائد لأعضاء التنظيم، وأولي الرأي فيه وللمؤسسات التي تنظم الشورى وتتبلور داخلها التوجهات والقرارات.

ومن الملفت للانتباه أن الأمر بالشورى قد جاء في سياق غزوة أُحد التي تعرض فيها المسلمون لهزيمة مؤلمة، وكانت قد سبقتها عملية تشاور في تحديد مكان المعركة واستراتيجيتها؛ هل يقاتلون من داخل أسوار المدينة أم خارجها . فنزل بعد وقائع الغزوة المؤلمة قوله تعالى : ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك .فاعف عنهم واستفعر لهم وشاورهم في الأمر “.

وبطبيعة الحال فقد كان من هؤلاء الذين أمر الله بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم؛ رماة الجبل الذين أدى تسرعهم عندما رأوا الدائرة تدور على قريش إلى تركهم لمواقعهم والنزول لنيل حظهم من الغنائم. لقد أبرز واتربوري في كتابة ” النخبة السياسية ” أن ما ميز الحياة السياسية هو من جهة ما سماه ب” قانون الانقسامية ” ومن جهة ثانية “نموذج الزعيم وجماعة الاتباع “، وهما أمران مرتبطان ارتباطا جوهريا ويفضي بعضهما إلى البعض الآخر ، وعلى القائد الراشد أن يحذر من غواية جماعة الأتباع .

من واجب القائد أو المسؤول أن يحرص على الاستماع ويقبل بالنصيحة والعمل بالوجيه منها ويستحت عليها كما ورد عن عمر رضي الله عنه :
كان بين عمر بن الخطاب – رضوان الله عليه – وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر – رضوان الله عليه -: دعه فليقلها لي نعم ما قال. ثم قال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم”.

من واجب القيادة أن تتسم بالحلم المتحمل و باللين المجمع الذي هو من رحمة الله ” فبما رحمة من الله لنت لهم ” وقوله تعالى ” فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر “. من المهم جدا الحرص على توسيع مساحات العمل المؤسساتي وجعل مرجعيته أعلى من مرجعية الزعيم،
فالزعامة والقيادة تتأكد وتكون أنفع وأرحم حين يكون شعارها “لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير في إن لم أسمعها وأعمل بالوجيه منها “.

على القائد والأعضاء و” الأتباع ” أن تحذر وتحتاط من شعار : ما أريكم الا ما أرى .. هما شعاران يفصلان بين باراديغمين في العمل الجماعي ..
بارديغم ” ما أريكم إلا ما لدأرى” .. وبراديغم مؤمن آل فرعون :” اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد ” ..وسبيل الرشاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله في حالة أمة الإسلام :” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعون يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم “. والله تعالى أعلى وأعلم.

زر الذهاب إلى الأعلى