أخبار عامةالرئيسية-

دراسة فرنسية: تراجع المواليد بالمغرب تحول ديموغرافي عميق ينذر بشيخوخة المجتمع

كشفت دراسة حديثة أصدرها المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) عن تحول ديموغرافي غير مسبوق يشهده المغرب. وسجلت معدلات الخصوبة انخفاضا تاريخيا وصل إلى 1.97 طفل لكل امرأة في عام 2024، وهو ما يضع المملكة لأول مرة تحت عتبة “مستوى إحلال السكان” المحدد بـ 2.1 طفل.

وصدر التقرير بتاريخ 27 مايو 2026، ونُشرت الدراسة في العدد رقم 644 من نشرة “السكان والمجتمعات” (Population & Societies) الصادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية (INED) في فرنسا.

ويتميز المغرب بمسار تراجع مستمر وتدريجي منذ تسعينيات القرن الماضي دون تسجيل أي “انتعاش” أو ارتداد ديموغرافي كما حدث في الجزائر وتونس.  فبينما كانت المرأة المغربية تنجب ما متوسطه 7 إلى 8 أطفال في السبعينيات، انخفض هذا الرقم إلى النصف مطلع التسعينيات، لواصل هبوطه وصولا إلى المستويات المتدنية الحالية.

وأرجعت الدراسة الأسباب الرئيسية لهذا التراجع في المغرب إلى الاستخدام الواسع لوسائل تنظيم الأسرة، حيث بلغت نسبة النساء المتزوجات اللواتي يستخدمن وسائل منع الحمل 71%، وهي نسبة تفوق بكثير نظيراتها في تونس والجزائر (التي تتراوح بين 50% و55%).

وعلى الرغم من أن سن الزواج لدى النساء المغربيات لا يزال مبكرا نسبيا مقارنة بتونس (حيث انخفض متوسط السن من 26.3 إلى 24.6 سنة بين 2004 و2024)، إلا أن الرغبة في التحكم في الإنجاب ظلت العامل الحاسم في خفض المواليد. وتضاف إلى ذلك عوامل أخرى مثل إطالة أمد الدراسة وتأخر دخول الشباب، وخاصة النساء، إلى سوق الشغل.

وحذر خبراء من أن هذا الانخفاض سيؤدي حتما إلى قلب الهرم السكاني؛ فقد بلغت نسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عاما في المغرب 13.8% في عام 2024، مع توقعات بتسارع هذه الوتيرة في السنوات القادمة.

وتشهد المنطقة المغاربية (المغرب، الجزائر، تونس) تحولا ديموغرافيا “تاريخيا” وسريعاً، حيث انتقلت من مستويات خصوبة كانت بين الأعلى عالميا في سبعينيات القرن الماضي (7 إلى 8 أطفال لكل امرأة) إلى مستويات تراجعت إلى النصف مطلع التسعينيات، وصولا إلى أرقام متدنية غير مسبوقة حاليا.

وبينما تتمايز الدول الثلاث في مساراتها، حيث سجلت تونس أدنى معدل (1.53 طفل في 2024) يليها المغرب (1.97 طفل)، تظل الجزائر الأعلى نسبيا (2.61 طفل) رغم دخولها هي الأخرى في منحنى تنازلي سريع بعد فترة انتعاش مؤقتة . هذا التراجع لم يعد مجرد تذبذب عابر، بل بات يُعتبر ظاهرة “مستقرة على المدى الطويل” تعيد رسم الملامح البشرية للمنطقة بالكامل .

وتربط الدراسات هذا الانخفاض الجماعي بجملة من العوامل الهيكلية المشتركة، في مقدمتها إطالة أمد التعليم، خاصة لدى الإناث اللواتي أصبحن يشكلن أغلبية طلاب الجامعات في دول المنطقة، مما أدى إلى تأخر سن الزواج وتأجيل الدخول إلى سوق العمل.

وعلاوة على ذلك، برزت تحولات عميقة في النماذج الأسرية؛ فالمجتمعات المغاربية بدأت تبتعد عن فكرة “الأسرة الممتدة” الكبيرة نحو “الأسرة النووية” التي تركز على “جودة الحياة” والاستثمار المكثف في تعليم ورفاهية عدد أقل من الأطفال.

كما لعبت سياسات تنظيم الأسرة دورا حاسما، خاصة في المغرب الذي سجل أعلى نسبة لاستخدام وسائل منع الحمل (71%)، مقارنة بالجزائر وتونس اللتين شهدتا تراجعا في هذا المؤشر مقارنة بمطلع الألفية.

وينذر هذا المسار الديموغرافي بتبعات اقتصادية واجتماعية ضاغطة، أبرزها تسارع هرم المجتمعات؛ فقد قفزت نسبة كبار السن (فوق 60 عاما) بشكل لافت لتصل إلى 17% في تونس، و13.8% في المغرب، و10.5% في الجزائر، مع توقعات بتسارع هذه الوتيرة قريبا.

ومن المتوقع أن يضع هذا الاختلال ضغوطا هائلة على صناديق التقاعد وأنظمة التغطية الصحية نتيجة تقلص عدد الشباب الممولين مقابل تزايد المتقاعدين .

وما يزيد من تعقيد المشهد هو أن المنطقة المغاربية، التي تُصنف تاريخيا كبيئة “طاردة” للسكان ومصدرة للهجرة، لن تجد في الوافدين الأجانب حلا سهلا لتعويض النقص السكاني كما يحدث في بعض الدول الأوروبية، مما يجعل مواجهة “الانكماش الطبيعي” المحتمل تحديا استراتيجيا يصعب التنبؤ بنتائجه.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى