الابتلاء من منظور قرآني – نورالدين قربال

توطئة
شاءت حكمة الله أن تكون الدنيا دار ابتلاء، حيث يتدافع الخير مع الشر، والابتلاء سنة شرعية وكونية واجتماعية. فكيف يتعامل الإنسان في هذه الدنيا المترامية الأطراف مع الابتلاءات؟ وهل تخضع هذه الابتلاءات لمقاصد وغايات؟ جوابا على هذا السؤال اهتم القرآن الكريم بموضوع الابتلاء حتى تتضح خريطة طريق التعامل معه بعقلانية ومهنية في ظل منظومة قرآنية متماسكة ومنسجمة مع الفطرة الإنسانية.
الابتلاء والمقاصد القرآنية
ذهب يوسف سرطوط في مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية المجلد 14. العدد3. إلى أن للابتلاء مقاصد عامة في القرآن الكريم، وجعلها في ثلاثة محاور: التمييز بين المفلحين والخاسرين، والعدالة بين العاملين، وتربية النفوس وتزكيتها. من خلال هذا التحليل نستنبط أن الابتلاء ظاهره معاناة وأبعاده إيجابية على مستوى المعيار الموضوعي للتمايز، والعدل في الجزاء، ثم الترقي بالإنسان في سلم التزكية.
إن هذه المقاربة المقاصدية توحي بمنهج سنني في التعامل مع الابتلاء. لذلك من الواجب معرفة الدلالة الاصطلاحية للابتلاء في التصور الإسلامي، فهو اختبار وامتحان من الله تعالى لعباده، سواء بالنعم أو الخير ليختبر في الإنسان الشكر، أو ابتلاء بالشر والمصائب لامتحان الصبر في الإنسان. من تم جعل ابن القيم رحمه الله السعادة في الشكر والصبر والتوبة. الخلاصة أنه اختبار لصدق الإنسان في تنقية علاقته بالخالق والترقي في سلم مراتب مقام إياك نعبد وإياك نستعين.
لماذا الابتلاء؟
الابتلاء ليس غاية في حد ذاته، وإنما آلية من آليات الاختبار للفضائل القيمية التي ارتضاها الله تعالى لعباده الصالحين. قال تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) النساء.19. من تم فالابتلاء -حسب عبد القادر دغوتي في الألوكة الشرعية س. 2024- ينبه الغافلين لعلهم يرجعون، بذلك يتحرر الإنسان من الشبهات والشهوات، مستشهدا بقول عطاء الله السكندري: (من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان، قيد إليه بسلاسل الامتحان).
كما أنه يطهر المومنين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفرالله بها من خطاياه) متفق عليه. وصدق من قال: (لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس).
يمحص كذلك الابتلاء الصابرين، يمحص علاقتهم بالإيمان، ومراتبهم، وصبرهم، لذلك قال الحسن البصري رحمه الله: (كانوا يتساوون في وقت النعم، فإذا نزل البلاء تباينوا) صيد الخاطر، للإمام ابن الجوزي ص.139. نقلا عن مقال دغوتي.
هذا الشق الأول من هذا التمحيص، أما الشق الثاني حسب المقروء فعبر عنه بالكرامات الربانية للذين نجحوا في اختبار التمحيص، منها محبة الله لهم، ودخولهم في معيته الخاصة. لأن الله تعالى يحب الصابرين، ومع الصابرين، لأنه رفع درجاتهم، كما ورد في الأثر: (فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغ إياها) صححه الالباني كما ورد عند الكاتب. كما يمكن الله لهم مستشهدا بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين ابتلاهم الله تعالى فصبروا وبذلك تمكنوا ولا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة. كما قال الشافعي رحمه الله. الفوائد للإمام ابن القيم الجوزية، ص. 222. نقلا عن المقروء.
يختم الكاتب بأن من كرامات النجاح في الابتلاء كذلك مغفرة الذنوب، ومضاعفة الأجور، والتبشير بما يسرهم. لكن كيف نخفف من وطأة الابتلاء لأن الإنسان خلق ضعيفا؟
الجواب أن يكون القلب مليئا باليقين والرضا والصبر، وعدم القنوط لأنه قتال يقتل في حياة الأفراد والمجتمعات كل شيء. لأن للبلاء بداية ونهاية، ومرجع البلاء هو الله تعالى الرحمان الرحيم، الذي لا يريد من الابتلاء إلا الخير بالبلاد والعباد. من تم يجب أن يجتهد العبد في معرفة الله تعالى لأنه كلما ارتقت المعرفة كلما استقبل البلاء بأريحية لأنه يخفي الخير كله، لأن شعارنا الأكبر هو أننا رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، ورسولا. كما أننا نومن بالقدر خيره وشره.
خلاصات
نخلص مما سبق أن الابتلاء يقابله الثبات عند أولي الألباب، لأنه من قدر الله وسننه، من تم تحدث عنه القرآن الكريم بطرق كثيرة ومعبرة، ومن وراء كل ابتلاء حكمة ربانية، لذلك يعين عباده بتعبيد أسباب دفعه، وهو من قضايا العقيدة المرتبطة بالإيمان بالأقدار خيرها وشرها، وهو أنواع واشكال حسب المقام والنوازل. فاللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ونعوذ بك منك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. آمين يارب العالمين.




