وطننا في حاجة إلى توقيع وثيقة أخرى للمطالبة باستقلال حقيقي! – رشيد وجري

نعيش في هذه السنة الذكرى ال 79 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي تعد حدثا تاريخيا هاما ونوعيا في ملحمة الكفاح الوطني المغربي من أجل الحرية والكرامة والاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية والوحدة الترابية لوطننا الغالي، ضد الطامعين الحاقدين أعداء المغرب في سيادته ووحدته الترابية ومصالحه الفضلى.

وتعد وثيقة المطالبة بالاستقلال أو وثيقة المطالبة بالحرية وإصلاحات إدارية واقتصادية واجتماعية لصالح المواطن والشعب المغربي ثورة وطنية من نوع آخر عكست وعي المغاربة ونضجهم وبعد نظرهم وقدرتهم على التضحية بالغالي والنفيس لأجل حقوقهم المشروعة في تحرير البلاد والعباد وتدبير شؤون بلادهم بأنفسهم، كما تعكس الحس الإبداعي والمبادراتي للمغاربة وأنَفتهم في صون العزة والكرامة وعدم خضوعهم ورضوخهم لإرادة “المستخرب” الظالم الغاصب في زمن الاستعلاء والاستكبار الغربي على دول العالم الثالث المغلوب على أمره، كما أنها الوثيقة الدليل الذي  يخلد ويؤرخ للبطولات العظيمة التي صنعها أبناء وبنات هذا الوطن الغالي المعطاء بروح وطنية عالية وعزيمة مغربية غالية.

هذه الجهود المتواصلة والمتنوعة وغيرها والتضحيات الجسام والمعارك البطولية والانتفاضات الشعبية التي خاضها أبناء وبنات الشعب الأبي بكافة ربوع الوطن في مواجهة الوجود الأجنبي والمتسلط “الاستخرابي” تكللت باستقلال الوطن وإن شابه ” نقص ” ولقنت العدو المتغطرس دروسا في الصمود والجهاد والمقاومة والتضحية ونكران الذات .

لكن واقعنا يدفعنا لطرح السؤال: هل فعلا نال وطننا المغرب استقلالا كاملا وحقيقيا أم يحتاج المزيد من الجهد والتضحية والصدق والعزيمة ونكران الذات حتى يتحقق الاستقلال المنشود؟ فالمتأمل في استقلال بلادنا بموضوعية وبغير كثير عناء يخلص إلى أننا أمام استقلال ناقص وغير تام، استقلال موهوم خرج على إثره “المستخرب” من الباب ودخل علينا من النافذة كما يقال؟

فقبل خروج “المستعمر” ترك أبناءه غير الشرعيين البررة به الذين صنعهم على عينيه ورباهم في كنفه وتحت رعايته ليقوموا بأدواره، نعم أبناء فرنسا والغرب المتشدقون والمتفيهقون الذين يعملون ليل نهار للمحافظة على “مصالح المستعمر” و”مصالح النخبة المارقة منهم ” التي تكون دائما ضد مصلحة الوطن المتألم وشعبه المغلوب بالطبع.

إن استقلال بلادنا الذي نعيشه استقلال خروج الدبابة والمدفع وبقاء وثيقة معاهدة “إكس ليبان” وبنودها الجائرة والظالمة والتي هي بمثابة سيطرة فرنسية على مقدرات وخيرات البلاد بشكل غير مباشر وإعلان “استعمار جديد مغلف “، لذلك يعيش الوطن انكسارا وانتظارا عمّر طويلا ومواطنيه “المساكين” يمنون الأنفس بالكثير والكثير، وما إن يظهر لهم بصيص أمل وإشراقة انفراج على ضيقها  في مسار الديموقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية حتى ينقلب إليهم البصر خاسئا وهو حسير، ويصبح الوطن الحبيب يراوح مكانه ويدور حول دائرة مفرغة وتعود حليمة إلى عادتها القديمة .

بلى إننا في حاجة ماسة إلى ميثاق شرف ووثيقة جديدة لأجل الوطن نجدد فيها العزم والإرادة ونصلح فيها القصد والاجتهادَ يوقعها كل غيوري هذا الوطن الغالي من أجل المطالبة باستقلال جديد له، استقلال كامل حقيقي يبنيه ولا يضنيه، ويحميه ولا يشقيه، استقلال  يخدم المواطن والوطن لا النخبة و”المستخرب” النتن، ومما يجب أن تتضمنه هذه الوثيقة العهد للتحقيق المبتغى  :

  1. القطيعة مع فرنسا الحقودة ومنع التبعية العمياء لها وفسخ كل قيودها كما فعلت دول قبلنا فوجدت المنهج السليم والسبيل القويم، بلى نحن في أمس الحاجة لنقض هذه التبعية العمياء وغير المتكافئة التي تخدم العدو وتستنزف الوطن، ولنا في رواندا ورئيسها خير مثال واقعي ومعاصر، فرئيس رواندا “بول كاغامي” لم يكتف بالتخلي عن تبني لغة المستعمر الفرنسية، واستبدالها بنمط ثقافي آخر، بل قاوم وبشدة التبعية العمياء لوصاية فرنسا القوية على باقي دول القارة الأفريقية. فانظر كيف انطلقت روندا بعد ذلك.
  2. إصلاح حقيقي لتعليم وطني موحد قوي مواطن يعطي الأولوية الفضلى للمدرسة العمومية المواطنة و للغة الرسمية للوطن وللثقافة والقيم الوطنية الأصيلة التي تعتز بهويتها الحضارية.
  3. إصلاح قطاع الصحة وتوفير الموارد البشرية والمادية له من مستشفيات وتجهيزات ووسائل متطورة وغيرها، وخلق تنافسية شريفة في الميدان دون احتكار ولا احتقار، وتوفير العلاج لكل المواطنين على قدم المساواة .
  4. إصلاح مؤسسة الأسرة وإعطائها المكانة اللائقة بها باحترام تام لمبادئ الدين الإسلامي الوسطي الحنيف وتيسير الزواج للشباب ومحاربة كل أشكال الفجور والتفسخ والانحلال.
  5. محاربة الفساد والريع بأنواعه والتسلط واستغلال النفوذ والاستبداد وغيرها من أدواء الأمم، وإصلاح قطاعات كثيرة عشش فيها الريع والفساد وجعلها في خدمة المبادئ والقيم الوطنية السامية : كالإعلام والثقافة والاتصال والعمران والسياحة والإدارة ووربط المسؤولية بالمحاسبة .
  6. إصلاح سياسي ودستوري حقيقي مبني على الوضوح في المهام والحكامة الجيدة وقبول الآخر والاحترام المتبادل، وجعل القطيعة مع كل أشكال الخداع والتزوير والردة.
  7. الاستثمار الحقيقي في الإنسان والانفتاح على الطاقات الواعدة والكفاءات الوطنية واحتضانها وتشجيعها والاستثمار فيها. وفسح المجال لها لتبدع وتنجز وتقود.

وفي ختام هذه الأسطر في هذه الذكرى الوطنية الغالية، لا ندعي في هذه الكلمات أننا وضعنا الوصفة السحرية للخروج مما نحن فيه من تردد ونكوص وتيه، ولا نزعم بأننا نملك الحقيقة وحدنا دون غيرنا، ولكن حسبنا أننا نحب بصدق هذا الوطن الغالي من كل قلوبنا ومستعدون لخدمته، ونريد له دائما الأمن والأمان والتنمية والازدهار والرفاهية لكل أفراده الأخيار، وأما محاولات الإصلاح المتتالية (السابقة والحالية ) التي عرفها الوطن في تقديرنا ولم تؤتي أكلها كما ينبغي فهي تحتاج إلى  الصدق في المقصد  والوضوح في الرؤية والجدية والكفاءة والجرأة في التنفيذ والجدية والتشاركية في الأداء والمرونة في التصحيح والتصويب .

لذلك قلنا وطننا في حاجة إلى توقيع وثيقة أخرى للمطالبة باستقلال حقيقي لأجل مصلحة المواطن، وإلى ذلكم الحين كل ذكرى وطنية غالية وأنتم والوطن والمواطنين بخير وتنمية وسلام.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى