نحن والصيف – عبد الحق لمهى

مع حلول عطلة الصيف، تحل معها أُمورٌ كثيرة، منها توقف الدراسة في ربوع البلاد، وهذا أمر طبيعي؛ فلا بد للنفس من وقفة واسترواح، وهو مطلب علمي؛ حيث أكدت أبحاث ودراسات أهمية العطل المدرسية في الحياة الدراسية، وهو ما نلمسه في البرامج السنوية لكل دولة، والتي توازن بين أيام الدراسة وأيام العطل.
تعيش الأسر، أفراداً وجماعات، حالة من الفراغ المؤقت عن الدراسة، ويبرز تساؤل ملح: ما العمل خلال هذه العطلة الصيفية؟ ثم يبدأ الناس بالبحث عن الحلول المناسبة لقضائها، كما تتعدد البرامج الصيفية للأسر وتتنوع باختلاف طبيعتها ومستواها الاجتماعي، وكذا حسب ما يُعرض أمامها من برامج رسمية للدولة، أو غير رسمية تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني.
ليس المجال هنا لعرض مختلف تلك البرامج، ولكن السؤال الذي يمكن طرحه: هل كل تلك البرامج فعالة ومحتاج إليها؟ وهل تسهم حقاً في تكوين الإنسان والاستجابة لحاجياته المتنوعة؟ وهل هي على درجة واحدة من الفعالية؟ بمعنى: هل كل فقرات البرامج متساوية من حيث الأهمية والأثر؟ وإذا كانت فعالة، فأيها له الأولوية والأثر الأكبر والنفع العظيم في حياة الإنسان؟ وهل من هذه البرامج ما يمكن تأجيله إلى فرصة أخرى غير العطلة الصيفية؟
لقد أشرتُ سابقاً إلى البرامج وأهميتها، وهنا أحاول التركيز على مجموعة من المحددات، منها ضرورة التوازن في بلورة وإنجاز البرامج بناءً على قواعد التدرج والمرونة واليسر في التنفيذ، وكذا استجابة البرنامج لحاجيات الإنسان المختلفة.
ومن ثم، فإن أعظم وسيلة وأكثرها فعالية -ولا أقول إنها الوحيدة- لاستثمار فراغ العطلة، هي القرآن الكريم؛ بما هو كلام الله وما يرتبط به من معانٍ جليلة ليس المجال هنا لحصرها.
لماذا القرآن الكريم في رأيي؟ ربما نعرف جميعاً الإجابة؛ فنحن ندرك قدر القرآن الكريم، وحقيقته، وأهميته في حياتنا كلها، وفضله في الآخرة، وغير ذلك من خصائصه الفريدة. لكن جوابي سيتجه إلى مبررات أخرى نابعة من القرآن ومن داخله، ومنها:
ـ القرآن الكريم وتجاوز التعثرات المدرسية: حديثي هنا موجه لمن لديه قناعة بوجود ترابط بين القرآن وتجاوز التعثر، ولمن لا يعتقد ذلك أيضاً. فقد أثبتت كتابات ودراسات -أذكر منها “تعليم القرآن الكريم للأطفال” للدكتور عبد الرحمن البوكيلي- كيف بذل الكاتب جهده في الترافع عن فكرة وجود علاقة تأثير وتأثر بين حفظ القرآن الكريم وتجاوز التعثرات الدراسية، خاصة في مسألة حفظ المعارف المختلفة التي يحتاجها المتعلم طوال مسار حياته؛ فالقرآن ينمي ويقوي ملكة الحفظ لديه.
ولا شك أن هذا أمر واقعي في السياق المدرسي؛ فيا من تشتكي ضعف ضبط المعارف لدى أبنائك وتتسابق لإيجاد حلول متأخرة، حاول التمسك بهذا الأمر بقوة، ووجه أهلك ليأخذوا الأمر مأخذ الجد، وليعضوا عليه بالنواجذ، مع مراعاة التدرج والمرونة واليسر اللازم. أما غير المقتنعين، فليس أمامهم سوى خوض التجربة؛ فهي أيسر طريق للتأكد من قوة هذا الطرح ومصداقيته.
القرآن الكريم واكتساب اللغة العربية: من الحقائق التي لا ريب فيها أن الرصيد اللغوي ضرورة من ضرورات الحياة الدراسية؛ فمن يمتلك مفردات ومصطلحات أكثر، يكون أقدر على صياغة الكلام شفهياً وكتابياً، إذ يضحى لسانه ناطقاً بمفردات القرآن وخطه كاتباً بها. فالقرآن يُحسن المستوى الدراسي للمتعلم من مدخل اكتساب رصيد لغوي ثري، مما ينمي مستواه التعليمي. أضف إلى ذلك ما ينتج عن الحفظ والقراءة من اطلاع على مفردات جديدة تدفع الطفل نحو فضول اكتشاف معانيها، مما يثري رصيده اللغوي أكثر فأكثر.
ختاما، كانت هذه خلاصات سريعة تهدف إلى إبراز مكانة القرآن الكريم في حياتنا، خاصة في فصل الصيف؛ حيث تلوح الفرصة لتجديد الصلة به والاستفادة منه في تنمية ملكة الحفظ واكتساب مفردات لغوية عربية جديدة.





