مليكة شهيبي تكتب: التربية  الفكرية  للأبناء حاجة ملحة في زمن مقلق 

وأنا اتحاور مع أحد الشباب حول رمضان،  إذا بي أتفاجأ من إفصاحه عن عدم رغبته في الصيام بدون أدنى حرج،  مردفا أنه يمارس كذا عبادة تقليدا وطقسا ليس إلا، وأنه لو تواجد في مكان آخر غير بلده، لما صام ولا صلى ولا قام باي طقس يحسبه تخلفا، وأن كلام والديه  لم يعد يقنعه ولا حتى هرطقات خطب الجمعة حسب تعبيره، وإن كان هذا الشاب فقط عينة من شباب كُثر، يعيشون نفس التيه وفقدان البوصلة.

         ساحت بي ذاكرتي وانا استمع  لفلسفته هذه، إلى عهد ليس ببعيد، حيث كنا نستمع الى نوع واحد من الخطاب في بيئة منسجمة وبسيطة، ونطلّ من نفس الزاوية لجل القضايا، دينية كانت او دنيوية، خطابا كان عادة ما ينسجم مع خطاب المدرسة والأسرة والشارع والمسجد والإعلام. خطابا كان يتحدث بلغة واحدة ويلقّن قيما مفاهيمها موحدة  ويؤسس لأنساق معرفية ثابتة ويبني أفكارا استطاعت ان تحصننا الى حد كبير.

شبابنا اليوم صار يتلقى خطابات وافكارا مشوّشة مستقاة من مصادر مختلفة أغلبها مجهول دون خيط ناظم يربطها، أفكارا مستفزة ومقلقة، جعلته يعيش تناقضات صارخة بين ما يتلقاه في تنشئته الأسرية و المدرسية وما يراه في المجتمع وما يطّلع عليه في عالمه الافتراضي، خطابا تختلف فيه مفاهيم القيم باختلاف مصادر تلقيها وينفرط فيه عقد الأنساق المعرفية .

خطاب الاسرة والمدرسة والمسجد اليوم، أصبح متجاوزا لزمان ومكان وتحديات الشباب، غير قادر على إعطاءه إجابات لتساؤلات جوهرية تقلقه، ولا تساعده على تجاوز تحديات نفسية تكبله و ولا تستطيع ملأ فراغات فكرية تؤرقه، الشيء الذي يجعله مهيئا لاستقبال كل أشكال الاجابات الوافدة من العالم الافتراضي ومستهلكا لكل الثقافات والأفكار، بانية كانت أو هدامة دون تمحيص، مادامت  تملأ  حجم الفراغ الفكري الذي يعاني منه .
وفي غياب أي حصانة معرفية متينة  او روحية لديه.. يعيش جلّ شبابنا في عبثية وفوضى وجدانية و فكرية تدعو فعلا للقلق.

شباب اليوم صار يبني  قناعاته من مصادر متعددة، عادة ما لا تكون بطريقة ممنهجة أو مخطط لها ن طرف الاسرة، وإنما تخضع للصدفة ولما يستقيه من الإعلام ومن عالمه الافتراضي الجديد و ومن التنشئة الاجتماعية التي غالبا  ما لا تركز على تنمية الجوانب الفكرية لديه بقدر ما تهتم بما تظنه يحقق أمنه الاجتماعي كنجاحه  الدراسي و تفوقه  الاجتماعي المبني على الحصول على منصب شغل مرموق يضمن له الرفاهية الاجتماعية، غير منتبهة إلى أن هذه الأدوار إنما  هي أدوار رعاية  من مأكل وملبس وتطبيب وتوفير منصب شغل  ليس إلا،  وآخر شيء قد تنتبه له الأسرة ان تخطط لبناء  ” فكر أبنائها ” من خلال خلق نقاش  علمي وهادئ معهم  منذ الصغر يؤسس لقناعات تحكم رؤيتهم  للكون وللوجود وللحياة  من جهة وتحمي أمنهم الفكري والعقدي  من جهة أخرى..

      قد نجد أعذارا ومسوغات  لأسر تتقاتل مع لقمة العيش في زمن صعب صارت معه متطلبات الحياة مُثقِلة للكهول، وآخر ما  قد تفكر به  هذه الأسر هو الانشغال بالمسألة الفكرية للأبناء، لكن أن تجد هذا الأمر يكاد يكون عاما حتى في أوساط المثقفين والميسورين، فهذا مؤشر مقلق، يدعونا لدق ناقوس الخطر، خاصة وأن بوادر خطورته بدأت تطفو على السطح من خلال الظواهر التي صارت تطل علينا كموجات اللادين و اللأدرية و دعوات الالحاد المبنية على الخواء الفكري وليس على قناعات ومبادئ وبحوث، بل فقط رغبة في التحرر من كل قيود قد تكبل الرغبات  وتقف ضد الشهوات.

        عالمنا اليوم صار مضطربا سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا ومصدر المعلومة التي يستقيها الشباب لم يعد لها حدود في عالم منفتح على كل الثقافات والافكار والأيديولوجيات، و وتيرة إنتاج و صناعة لمحتويات  الفكرية الموجهة للشباب صارت لها مؤسسات ولوبيات ذات مشارب وأهداف سياسية او اقتصادية واجتماعية، وصارت سائرة بسرعة البرق دون رقابة ولا تمحيص، إضافة إلى الاعلام الذي فقد مصداقيته وصار مضللا ومُعلِّبا للفكر  ومغيرا  للقيم، أضف الى ذلك خطابنا الديني المترهّل الذي لم يعد  بأسلوبه الحالي ولا بقضاياه المتناولة يلامس هموم الشباب أو  يقوى على استنهاض هِمَمِهم…إلخ

” هذه ليست دعوة لكي تغلق مجتمعاتنا نوافذها على أفكار الحضارات الاخرى،  ولا دعوة للحجر على استعمال التكنولوجيا والانفتاح على العوالم الافتراضية والثقافات الواردة،  وإنما هي دعوة  للأسر ولكلِّ المتدخلين في التنشئة الاجتماعية، لتمكين الأبناء  من المعرفة الضرورية  و من  آليات التفكير السليم ومن المنهجية العلمية  النقدية التي يستطيعوا  من خلالها تمحيص ما يتلقونه من العالم الخارجي حتى يأخذوا منه ما يتوافق مع قيمنا ومبادئنا وثقافتنا وهويتنا، و ويتركوا ما يتعارض مع ذلك بعيدا عن كل تهديد لهم من أي  فكر متطرف وافد إفراطا أو تفريطا .

        هذه أفكار تؤسس فقط لمحاولة الانتباه الى أن التربية الفكرية لأبنائنا صارت ضرورة شرعية وواقعية وأمرا ملحّا في هذا الزمن المقلق والمضطرب، وفي زمن الاغتراب الثقافي الذي أحدثته ثورة التكنولوجيا العابرة للحدود.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى