مكانة كبار السن في الإسلام

إن من الآداب العظيمة والخصال الكريمة التي دعا إليها الشرع ورغب فيها: الإحسان إلى كبار السن وإكرامهم ومعرفة سابقتهم وحقوقهم، روى أبو داود في سننه من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط).

استخدم العرب كلمة (المُسِنّ) في عباراتهم للدلالة على الرجل الكبير، فتقول:  (أَسَنَّ) الإنسان وغيره (إِسْنَاناً) إذا كبر فهو (مُسِنٌّ) والأنثى (مُسِنَّةٌ) و الجمع (مَسَانٌّ)”[1].

تقول:” أسَنَّ الرجل: كَبُر، وكبرت سِنُّة. يُسنُ إسناناً فهو مسن ” كما تستخدم العرب ألفاظاً مرادفة للمسن فتقول: (شيخ)، وهو ” من استبانت فيه السِّنُّ وظهر عليه الشيب” وبعضهم يطلقها على من جاوز الخمسين. وقد تقول: (هَرِم)، وهو أقصى الكبر “[2].

ولقد وصف الله عز وجل مرحلة الكبر في القرآن الكريم بأنها عودة إلى أرذل العمر في قوله: ﴿ واللهُ خَلَقَكُم ثمَّ يَتَوَفَّاكُم ومِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ [النحل: 70].

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تعوذ من كبر السن وهو أرذل العمر حيث جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يدعو: (أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات)، وعد هذه المرحلة آخر مرحلة قبل الموت، فقد روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت).

من جهتها عنيت الدراسات النفسية والاجتماعية بمرحلة المسن من حيث التحليلات النفسية لها وبيان العلاقات الاجتماعية التي تخص هذه الفئة فكبر السن لا مناص منه لأن الإنسان في حياته التي يعيشها ينتقل من مرحلة إلى مرحلة بحيث يتغير في شكله ونفسيته وفق “حالة يصبح فيها الانحدار في القدرات الوظيفية البدنية والعقلية واضحاً يمكن قياسه وله آثاره على العمليات التوافقية “، قال تعالى:  ﴿ الله الَّذي خَلَقَكُم مِن ضَعفٍ ثمَّ جَعَلَ مِن بَعد ضَعفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيبَةً يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم 54 ] ففي هذه الآية “ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاما ثم يُكسَى لحما، ويُنفَخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفًا واهن القوى. ثم يشب قليلاً قليلاً حتى يكون صغيرًا، ثم حَدَثا، ثم مراهقًا، ثم شابا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل، ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللّمَّة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الروم: 54] أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾.

وقال تعالى في سورة التين” ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [التين 4 – 6]، والمراد من الآية ” ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: 4] أي: أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، مُزَينَّا بالعقل والتمييز. ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾ [التين: 5] يريد إلى الهرم وأرذل العمر، فينقص عقله ويضعف بدنه”، فالمسن يضعف بدنه وعقله وتعتريه بعض الأمراض وتظهر عليه تغيرات كثيرة في جسمه وشكله كالتجاعيد المنتشرة في جسمه وتثقل بعض الحواس من ناحية العمل وربما تتوقف نهائيا عن أداء وظائفها وتثقل حركاته ويعتريه النسيان في بعض الأحيان إلى غير ذلك من التغيرات الجسمية والعقلية.

إن التغيرات الجسمية والعقلية للمسن تؤدي إلى تغير السلوك وتعقد نفسيته مما يكون مصحوبا بجملة من الانفعالات الغير مضبوطة في كثير من الأحيان فترى كثيرا من المسنين يتخبطون في بعض الأحيان بين الأمزجة الحسنة والسيئة مما يجعل المتعاملين معهم يحتاطون لذلك لعدم انضباط نفسية المسن فربما أبسط شيء يهيج نفسيته ويعكرها.

ولأن الإسلام دين قائم على الرحمة والمودة والإخاء وحب الخير للغير فقد حرص تمام الحرص على العناية بفئة المسنين مهما كانت درجة قرابتهم ومهما كانت جهتهم، وهكذا تقوم رعاية المسنين في الإسلام على أسس هامة تنبع من ربانية المصدر ومن أهمها:

1- الإنسان مخلوق مكرم له مكانته في الإسلام، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [الحجر: 28 – 30]

2- المجتمع الإسلامي مجتمع متراحم محب للخير للغير.

عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

 وفيما يتعلق بالقرابة، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الإسراء:23 – 27].

وقوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23] أي: لا تسمعهما قولا سيئًا، حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ ﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23] أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23] أي: لا تنفض يدك على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23] أي: لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم، ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24] أي: تواضع لهما بفعلك ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ [الإسراء: 24] أي: في كبرهما وعند وفاتهما ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24] [17].

3 – ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على إكرام المسنين ورغب في ذلك ومما ورد في ذلك:

عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ” إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط “.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:”ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”.

عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:” يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير “.

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أمرني جبريل أن أقدم الأكابر “.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى