لا نهضة ولا تنمية لأمة بِلُغة غير لغتها

بسم الله الرّحمن الرحِيم، والصلاةُ والسلام على أشرَف الأنبياء وسيِّد المرسلين

لا خِلاف في أن اللُّغة هي أحد المقومات المحورية لأي أُمّة، بل إن من علامَات قوة أية حضَارة قُوة لغتها ولسَانها، لأن اللغة عنوان تَميّزها الحضاري ومستودع مُنجَزها التاريخي ودليل استقلالها الثقافي، ولذلك تعمَل الدول الراشدة على صيانة لغاتها والعَمل على تطوِيرها والتّمكين لها والنُّهوض بها.

وفي سياق الاحتفَال باليوم العَالمي للّغة العربية الذي يتزامن مع 18 دجنبر من كُل سنة، ندعو إلى إعادة الاعتبَار إلى اللغة العربية في كل الميَادين والمجالات، والتمكين لها في التَّعليم والإدارة، وفي الإعلام والثقافة، وفي الفن والرياضة… لأن الارتباط باللسَان العربي يحافظ على الخصوصية المغربية والهوية الإسلامية للمجتمع المغربي، في زمن تحطّمت فيه الحُدود الثقافية والنَّماذج الحَضارية والخصوصيات الوَطنية.

إنَّ النهوض باللغة العربية من أهَم الأسباب التي تحفظ للمجتمع المغربي هويته واستثناءه الحضاري، واستقلال الفكري والثقافي، بما يضمن تمنيع الذات الحضارية المغربية من الاندثار أو الابتلاع في سياق التدافع الحَضاري العالمي؛ خُصوصا مع ما تعرفه الثَّورة الرقمية والإعلامية من اكتسَاح وهيمنة، بل ويُعتبر من صميم حقوق المواطنة غير القَابلة للتنازل أو التَّفويت، خاصة وأن الدستور المغربي ينص على أنَّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد.

واليوم، نحن أحوج ما نكون من أي وقت مضى إلى حِفظ اللسان العربي؛ بصفته المدخل الأسلم للارتبَاط بالتراث المغربي الأصيل، لأنّ من وظائفه الأساسية تمتين الانسجام الذاتي والداخلي للأمة المغربية وتحقيق التكامل الاجتماعي بين مختلف التعبيرات الثقافية والعرقية واللغوية الأخرى؛ التي انصهرت في دين الإسلام ولغة القرآن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّه يتصدّى للتحدي الخارجي المتمثل في تداعيات العولمة وإكراهات الإلحاق الثقافي والحضاري.

ولا يعني الحفاظ على لغتنا العربية والنهوض بها التقوقع أوالانغلاق وعدم الانفتاح عـلى اللغـات العالمية الأخـرى خصوصا الحية والوظيفية منها، لأن هذا الانفتـاح الإيجابي هو إغناء لثقافتنا وهويتنا، فالهويـة المغربيةتتفاعل بشكل خلّاق مـن المـوروث الحضاري الأصيل وعميـق الجـذور والممتـد لأكثر من اثني عشر قرنا، كما تتأثر وتتفاعل مع  مختلـف الإسـهامات الحضارية الأخـرى التـي تفرضـها طبيعـة العـصر، في إطار التلاقح الثقافي، كما تعمل على استيعابها وإعادة صياغتها بما يـتلاءم مـع خصوصياتنا.

والعمل على النهوض باللغة العربية في المغرب وغيره من البلدان العربية، لا يعني بأي حال من الأحوال إقصاء أو تهميش أو النّيل من الحُقوق اللغوية للمواطنين الناطقين بلغات أخرى كالأمازيغية والكردية وغيرهما… وإنما الحرص على التعايش في الوطن الواحد والهوية الجامعة.

إنّ  أخطر ما يُهدد مطلب النهُوض باللغة العَربية هو الازدواجية اللغوية في الأنظمة التعليمية والتربوية والأجهزة الإدارية، والأخطر من ذلك هو التحايل عليها بمقاربة “التناوب اللغوي” كما هو الحال في التعليم المغربي، من خلال التمكين للغة الفرنسية مثلا.

وحُمادى القول أن لا نهضة ولا تقدم ولا استقلال و لا تنمية لأمة بغير لغتها ولسانها،لأنّ كلّ أمة تبدع بلغتها ولسانها، وما من نهضة قامت على وجه الأرض بلغة أجنبيّة، وما من تنمية تحققت بلغة دخيلة أو بعيدة عن الهوية، وتجارب الأمم المعاصرة التي خطت خطوات هائلة نحو التقدم والتنمية إنما فعلت ذلك بلغاتها الوطنية والقومية كالصين واليابان وتركيا والهند وروسيا وفيتنام وكوريا…وغيرها.

فلنأخذ العبرة؛ خصوصا وأنّ لغتنا العربية حظيت في صرفها ونحوها وبيانها وبلاغتها وعروضها وتراكيبها.. خلال أربعة عشر قرنا بما لم تحظ به اللّغات الأخرى؛ فهي لغة القرآن ولغة الحديث، وبالتّالي لقيت عناية شديدة من كلّ علماء الأمّة وفي شتّى العلوم.

والحمد لله رب العالمين

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى