الرئيسية-دروس ومواعظ

كلمة التوحيد وآثارها العظيمة في حياة المسلم

التوحيد معناه الإيمان بوحدانية الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، لا شريكَ له في ملكه وتدبيره، وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده.. ومن المعلوم أن الله عز وجل خلق الخلق، وأرسل الأنبياء والرسل من أجل توحيده وعبادته، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}(الأنبياء:25).

وكلمة التوحيد “لا إله إلا الله” هو أول وأعظم واجب على العباد، وهو أول ما ندعو الناس إليه، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا مُعاذ، أتَدْرِي ماحَقُّ اللَّه على العِباد؟ قال: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلم، قال: أنْ يَعْبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شيئا) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (لَمَّا بَعَثَ النبيُّ صلي الله عليه وسلم مُعَاذ بن جبَلٍ إلى نَحْوِ أهْلِ اليمن قال له: إنَّكَ تَقْدَمُ علَى قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتَاب، فَلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إلى أنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّه قدْ فرَضَ عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليْلتهم) رواه البخاري.

وعقيدة التوحيد وحدها هي التي تحدد للإنسان هدفه في الحياة باعتباره مستخلفا في الأرض، مسؤولا عن إعمارها ونشر الخير والصلاح فيها بمنهج الله ولله، وتكشف له سر وجوده في هذا الكون، ونشأته ومصيره ونهايته، وهي منهج يحكم علاقة المسلم بربه، ومنهج يحكم علاقة المسلم بنفسه، ومنهج يحكم علاقة المسلم بغيره من المسلمين، ومنهج يحكم علاقة المسلم بغيره من الكافرين والمنافقين، ومنهج يحكم علاقة المسلم بالكون كله.

فعقيدة التوحيد هي اللبنة الأساسية في بناء شخصية المسلم؛ فهي العنصر الفعال المحرك لعواطفه والموجه لإرادته؛ ولهذا فإن عقيدة التوحيد تركز في بنائها للإنسان على البناء الفكري والنفسي والسلوكي، وكل جوانب شخصيته.

إن الفَهم الشـامل لكلمة التوحيد ينطلق من قول الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

ولتوحيد الله عز وجل له الكثير والكثير من الفضائل والثمرات العظيمة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك:

1 ـ الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}(الأنعام:82).

2ـ التوحيد شرط هام من شروط النصر والتمكين، قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور:55).

3 ـ التوحيد هو أول وأهم شرط في قبول الأعمال، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}(الكهف:110).

4 ـ يثبت الله العبد في قبره بالتوحيد، قال الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}(إبراهيم:27).

5 ـ توحيد الله تعالى من أعظم أسباب الفوز بشفاعة النبي صلي الله عليه وسلم.

6 ـ بالتوحيد يغفر الله الذنوب، ويكفر السيئات، ففي الحديث القدسي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (قال الله : يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وصححه الألباني.

7 ـ من أجل وأعظم ثمرات التوحيد أن الله عز وجل جعله شرطا في دخول الجنة، ومانعا من الخلود في النار، قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}(المائدة:72).

إن الواقع الذي نعيشه الآن يجيب على ذلك، وهذا ما وصفه نبي الأمة صلى الله عليه وسلم بقوله: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلةُ إلى قصعتها، فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهَنُ؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت))؛ [رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه].

وسبب ذلك بلا شك هو ضعف عقيدة التوحيد في بعض النفوس، فالنفس التي لم تعرف توحيد الله سبحانه وتعالى، ولم تذُق حلاوة الإيمان والتصديق – تعيش تائهة حائرة، يائسة قانطة، مضطربة متوترة، تفزع للمصائب وتجزع للنوائب، وتبطَرُ الخير والنعمة، وتغمط الناس حقَّهم وفضلهم، فهل من عودة إلى الله وتوحيده؟

إن تربية الأجيال على منهج التوحيد يحتاج إلى جهد كبير ومستمر من المهد إلى اللحد، والمؤسسات التربوية والدعوية في أمسِّ الحاجة إلى وضع خطط؛ منها ما هو قصير المدى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وأخرى بعيدة المدى ومستمرة لإعداد الأجيال القادرة على مواجهة المد المتنامي عالميًّا، الذي يملك أدوات الغزو الفكري والأخلاقي المتشعب في النفوس الضعيفة.

فهذا خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم الذي ظل ثـلاث عشـرة سـنة بعـد البعثـة يقرر العقيدة ويرسخها في نفوس أصحابه بمكة، موجها أكثرَ جهدِهِ إلى تقرير التوحيد وترسيخه.

وكان صلى الله عليه وسلم يربي على هذه الكلمة أمته؛ ففي سنن الترمذي: قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: (كنتُ خلفَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا غلام، إني أُعلِّمُك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضُرُّوك بشيءٍ لم يضُرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ، وجفَّت الصُّحُ))؛ [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن].

وبالتربية الصحيحة على عقيدة التوحيد، يتضح للإنسان تصوره لنفسه وللحياة وللكون من حوله، وترتسم له الطريق التي يجب أن يسلكها ويسير فيها بوضوح، ويكون مذعنا لأوامر ربه ونواهيه طاعة له؛ لأنه علم أن خالقه هو المتصرف في كل شيء بعدله وحكمته، وهو عالم الغيب والشهادة المطلع على ما في الصدور، والحسيب الرقيب على كل حركاته وسكناته؛ فتهدأ نفسه وتطمئن، وتعيش في سكينة واستقرار.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى