قرارات عملية اتخذت لمنع الإدمان الرقمي.. العالم العربي غائب عنها

اتخذت مجموعة من الدول قرارات عملية للحد من المخاطر المترتبة على إدمان العالم الافتراضي واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد إجراء العدد من الدراسات والأبحاث على تأثير العالم الرقمي على حياة الناشئة.
وتعد الصين من الدول السباقة في التعاطي مع موضوع الإدمان الرقمي؛ قررت في 2021 منع من هم دون الثامنة عشرة من العمر من ممارسة ألعاب الفيديو عبر الإنترنت لأكثر من 3 ساعات أسبوعيا، بهدف محاربة إدمان الشباب على هذه الممارسات.
وتشرف الهيئة الصينية الناظمة للمرئي والمسموع والنشر والبث الإذاعي على تنزيل هذا القرار الذي يسمح للأطفال باللعب عبر الإنترنت لمدة ساعة واحدة فقط في اليوم، “بين الثامنة مساء والتاسعة مساء”، خلال أيام الجمعة والسبت والأحد حصرا، أي 3 ساعات كحد أقصى في الأسبوع الواحد.
وتبرز أستراليا أيضا كتجربة رائدة في هذا المجال؛ فهي أول دولة تحظر وصول الأطفال دون سن 16 عاما إلى وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة تسعى من خلالها إلى حماية الجيل الجديد من التأثيرات السلبية المتزايدة للتواجد الرقمي المستمر على صحتهم النفسية والجسدية.
ولم تتوقف أستراليا عند حدود سن قانون حول المسألة، بل تعداه إلى مطالبة كبريات شركات التواصل الاجتماعي أمثال فيسبوك وإنستغرام وتيك توك وسناب شات وإكس بتجميد حسابات الأستراليين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما ابتداء من تاريخ حددته لتلك المنصات.
كما أن أستراليا لم ترك مسألة الحظر لهوى عمالقة شركات الاتصال العالمية بل وضعت إجراءات عقابية لضمان تنفيذه بكل صرامة، حيث سيتحمل مالكو منصات التواصل الاجتماعي غرامات تصل إلى 50 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار أميركي) بسبب عدم الامتثال.
وقد حاولت الشركات الضغط من أجل إلغاء تلك الإجراءات، غير أن البلد أصر على تقديم مصلحة أبنائه على المصالح الظرفية للشركات، وقد مضت شركات كانت رائدة في مجال الاتصال اندثرت اليوم بفعل وصول فاعلين جدد.
وامتثالا للقرار، أعلنت شركة ميتا أنها أغلقت ما يقارب 550 ألف حساب في أستراليا امتثالا لحظر تاريخي مفروض على استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي.
أرقام المليونية
ولاحقا ظهرت حصيلة صادمة تكشف عن حجم تغلغل العالم الافتراضي في حياة الناشئة، إذ أعلنت السلطات الأسترالية عن تعطيل وحذف نحو 4.7 ملايين حساب تعود لقاصرين دون سن الـ16 عاماً خلال شهر واحد فقط.
وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الرقابية الأسترالية، أن عمليات الحذف الواسعة استهدفت كبريات المنصات العالمية، وعلى رأسها مجموعة ميتا: (فيسبوك وإنستغرام)، وتيك توك وسنابشات، ومنصة “إكس” (تويتر سابقا).
وعلى خطى أستراليا، تسير بريطانيا في اتجاه دعم منع ولوج القاصرين الذين يقل عمرهم عن 16 عاما إلى مواقع التواصل الاجتماعي. ويتناغم الاتجاه نحو الحظر مع نتائج استطلاع رأي أجرته مؤسسة “يوغوف” في دجنبر 2025 يشير إلى أن 74% من البريطانيين يؤيدون الحظر.
وفي هذا الصدد، صوت مجلس اللوردات، الغرفة العليا في البرلمان البريطاني، يوم الأربعاء 21 يناير 2026، لصالح تعديل يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16 عاما، ما يزيد من الضغوط على الحكومة البريطانية لإصدار الحظر.
استخدام الخوارزميات
وعلى نفس النهج، تمضي الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها من أجل الحد من استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ برز في برلمانها مشروع قانون يمنع الأطفال من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وينص المشروع على منع الأطفال دون سن 13 عاما من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، كما يحظر استخدام خوارزميات التوصية للأشخاص دون سن 17 عاما، كل ذلك بهدف مواجهة أزمة الصحة العقلية غير المسبوقة بين الشباب.
وعلى عكس القوانين السابقة التي تطلب إثبات الهوية أو موافقة الوالدين، يقترح مشروع KOSMA أن تعتمد شركات منصات التواصل الاجتماعي على تحليل البيانات الحالية لتقدير أعمار المستخدمين، وهي طريقة يعتقد البعض أنها قد تكون غير دقيقة.
توجه عالمي
أما في الدنمارك، تعتزم حكومة هذا البلد حظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عاما، مع السماح للآباء بمنح استثناءات لأبنائهم بدءا من سن 13 عاما للوصول إلى منصات معينة.
ويأتي هذا الإجراء من البلد الإسكندنافي، استنادا إلى تحليل أجرته هيئة المنافسة والمستهلك الدنماركية خلص إلى أن الشباب يقضون ساعتين و40 دقيقة يوميا في المتوسط على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشير المعطيات إلى أن 94% من الأطفال الدنماركيين دون سن 13 لديهم حساب على منصة تواصل اجتماعي واحدة على الأقل.
وفي بلد أوروبي أخر، تبرز فرنسا في دائرة الاهتمام بمسألة الحظر بعد بروز توجه عالمي، حيث أوصت لجنة برلمانية فرنسية بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون السن الـ15 وتقييد مدة الاستخدام لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما.
وأخذت اللجنة الخاصة بالتحقيق في الآثار النفسية لتطبيق “تيك توك” الموضوع بمحمل الجد بعد رفعت سبع عائلات دعوى قضائية ضد “تيك توك” أواخر عام 2024 بحجة تعريض أطفالها لمحتوى قد يدفعهم إلى الانتحار.
تجربة إسلامية منفردة
وعلى مستوى العالم الإسلامي، تبرز ماليزيا باعتبارها أول تجربة في سبيل فرض قواعد أشد صرامة على استخدام الأطفال والمراهقين الأقل من 16 عاما لمنصات التواصل الاجتماعي على غرار ما فعلته أستراليا.
غير أن ماليزيا لا تعتزم حظر استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل الاجتماعي بالكامل، وإنما ستفرض قيودا وإجراءات وقائية تكنولوجية مرتبطة بسن المتستخدم، على أن يبدأ التطبيق بشكل تجريبي في البداية.
ومع تكون رأي عالمي بشأن هذه القضية الحساسة، بدأت دول أوروبية أمثال: إسبانيا وإيطاليا واليونان وألمانيا في التفكير في فرض قيود أو حتى حظر على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، اقتداء بحظر أستراليا لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال.
غير أن هذا المد العالمي لم يجد له موطئ قدم حتى الآن في تشريعات الدول العربية والإسلامية رغم الاستعمال المكثف للعالم الرقمي في هذه البلدان، وهو ما يستدعي الاقتباس من التجارب المقارنة التي حققت نتائج في سبيل حماية مستقبلها.
موقع الإصلاح






