عبد الله الفاسي يكتب: حين يتحول اللمز إلى صناعة محتوى

ليست كلُّ الكلمات مجرّدَ آراء. فهناك كلماتٌ تُكتَب فتجرح أعراض الناس، وتطعن في نياتهم، وتلوّث معاني الشرف والتضحية، وتتحوّل من “رأي” إلى خِسّة أخلاقية مكتملة الأركان.
ومن أبشع ما ابتلي به الفضاء الرقمي اليوم: أنّه حوّل بعض الناس إلى صيّادي ضوء، يبحثون عن الشهرة ولو فوق جماجم القيم والأخلاق، ولو على حساب كرامة الأبرياء، ولو عبر قذف المحصنين والمحصنات، والتشكيك في الأعراض، والسخرية من أهل المروءات.
وحين يبلغ الانحدار ببعضهم أن يلمز رجالًا ونساءً اجتمعوا –على اختلاف أديانهم وأعراقهم– لنصرة شعبٍ محاصرٍ يُباد تحت القصف والجوع والحصار، وأن يُلصِق بهم أوصافًا قذرة تنتمي إلى قاموس الانحطاط الأخلاقي، فإن القضية لم تعد مجرّد “خلاف في الرأي”، بل صارت علامة على مرضٍ خطير يصيب الضمير قبل اللّسان.
إن الإسلام الذي علّمنا أدب الاختلاف، حرّم علينا أن نخوض في الأعراض بغير بيّنة، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾،
وقال جلّ وعلا: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.
ولم يكن عبثًا أن يجعل الشرع قذف الناس والطعن في أعراضهم من الكبائر العظيمة؛ لأن العِرض عند الله ليس لعبةً إعلامية، ولا مادةً لإثارة الجدل، ولا سلعةً لرفع عدد المتابعين.
وما أقبح أن يتحوّل بعض المنتسبين إلى الدين إلى أبواقٍ للتشويه، يهاجمون كل صوتٍ حرّ، ويطعنون في كل موقفٍ مشرّف، ثم يظنون أن الشتيمة بطولة، وأن الوقاحة شجاعة، وأن الإساءة إلى الشرفاء نوعٌ من “السبق الفكري” أو “التميّز الإعلامي”.
لقد عرف تاريخ الأمة علماء ربانيين كانت كلماتهم تُطفئ الفتن، وتجمع القلوب، وتذبّ عن أعراض الناس، لا علماءَ يُلقون الحجارة في مستنقعات الفتنة ثم يجلسون يتفرجون على دوائر الضجيج وهي تتسع.
وما أكثر الذين يريدون دخول التاريخ من أي باب، ولو كان باب السقوط الأخلاقي. يدخل أحدهم المشهدَ بفضيحة، أو بوقاحة، أو بتصريح مستفز، فيُشار إليه أيامًا، ثم يُرمى في مزبلة النسيان.
إن الشهرة ليست قيمةً في ذاتها؛ فقد يُذكر الإنسان كثيرًا… لكن بوصفه نموذجًا للانحطاط لا للرفعة.
وقد حفظ التاريخ قصة الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تشريفًا له، ولكن ليبقى شاهدًا على أن الإنسان قد يدخل ذاكرة الناس من أسوأ الأبواب وأقبحها.
فليس كلُّ حضورٍ مجدًا، ولا كلُّ انتشارٍ نجاحًا، ولا كلُّ ضجيجٍ أثرًا محمودًا.
أما أولئك الرجال والنساء الذين تركوا أوطانهم وأهليهم وأعمالهم، وتحركوا بدافع إنساني وأخلاقي لنصرة المظلومين، فإن أقلّ ما يُقال في حقهم أنهم اختاروا الاصطفاف إلى جانب الضمير الإنساني، في زمنٍ صار فيه كثير من الناس يهربون حتى من مجرّد الكلمة.
قد نختلف مع بعض الوسائل أو التقديرات أو الحسابات السياسية، لكن الشرف يقتضي ألا نحوّل الخلاف إلى قذف، وألا نحوّل النقاش إلى سوقٍ للبذاءة، وألا نستبيح أعراض الناس لأننا نختلف معهم.
إن الأمة التي تُهان فيها التضحيات، ويُسخَر فيها من أهل الشهامة، ويُصفَّق فيها للمهرّجين، تحتاج إلى مراجعة أخلاقية عميقة قبل أي مراجعة أخرى.
ومن أخطر ما يهدد وعينا اليوم: اعتياد هذا المستوى من الانحدار حتى يصبح مألوفًا.
- أن نمرّ على السخرية من الشرفاء مرورًا باردًا.
- أن يتحوّل الطعن في الناس إلى “ترند”.
- أن يصبح سوء الأدب رأيًا محترمًا لمجرّد أنه قيل بصوت عالٍ.
ولهذا أقول بوضوح:
- إن مناصرة المظلوم شرف،
- وإن قذف الناس خِسّة،
- وإن الشهرة المبنية على الأذى سقوطٌ لا صعود،
- وإن الكلمة مسؤولية،
- وإن الله سائِلٌ كلَّ امرئ عمّا كتب ونشر وأشاع. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
اللهم احفظ ألسنتنا من البهتان، وقلوبنا من القسوة، وأقلامنا من الظلم، واجعلنا من الذين ينتصرون للمظلومين دون فجور، ويختلفون دون سقوط، ويقولون الحق بأدب ورحمة وعدل.




