ذ خالد التواج يكتب : مالم تقله خطبة الجمعة
موضوع " اَلْإِسْلَام دِين الْجَمَاعَةِ"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
تناولت خطبة 24 محرم 1448هـ الموافق لـ 10/7/2026م موضوع ” اَلْإِسْلَام دِين الْجَمَاعَةِ” وأكدت على أن الإسلام دين الوحدة والائتلاف، وأنه يدعو إلى الاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة والاختلاف، ثم جاءت خطبة جمعة يوم 2 صفر 1448هـ الموافق لـ 17/7/2026م لتتحدث عن موضوع ” إِمَارَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَدَوْرُهَا فِي حِمَايَةِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ” وعن باقي الثوابت الدينية الجامعة لمتمثلة في: العقيدة الأشعرية والمذهب المالـكي والتصوف السني الجنيدي. وقد سبق أن تناولت خطبة يوم 23 ماي 2025م من العام الماضي موضوع ” فضل التزام الجماعة والأخذ بثوابتها الجامعة لأمرها” تم فيها الجمع بين الأمرين.
ملاحظات على الخطبة:
أولا- آية افتتاح الخطبة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ ا۪تَّقُواْ ا۬للَّهَ حَقَّ تُق۪اتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اِ۬للَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ لم تستثمر بشكل جيد، فقد تناولت أربع مسائل مهمة تحتاج إلى بيان :
- تقوى الله حق التقوى: قال ابن عاشور: “وهذه الآية أصلٌ عظيمٌ من أصول الأخلاق الإسلامية، وحاصل التقوى امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظاهرة، والنوايا الباطنة. وحق التقوى هو ألَّا يكون فيها تقصير وتظاهر بما ليس من عمله”.
- الأمر بالمحافظة على الإسلام والثبات عليه في جميع الأحوال.
- الاعتصام بحبل الله: فالِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يُوجِبُ الهِدايَةَ واتِّباعَ الدَّلِيلِ، والِاعْتِصامُ بِاللَّهِ، يُوجِبُ القُوَّةَ والعُدَّةَ والسِّلاحَ، ولِهَذا اخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ في الِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ:
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الجَماعَةُ، وقالَ: عَلَيْكم بِالجَماعَةِ، فَإنَّها حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، وإنَّ ما تَكْرَهُونَ في الجَماعَةِ خَيْرٌ مِمّا تُحِبُّونَ في الفُرْقَةِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: هو القُرْآنُ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :إنَّ هَذا القُرْآنَ هو حَبْلُ اللَّهِ، وهو النُّورُ المُبِينُ، والشِّفاءُ النّافِعُ، وعِصْمَةُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجاةُ مَن تَبِعَهُ.”
- النهي عن التفرق، أمر الإسلام بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق والاختلاف، لأن الوحدة مصدر لقوة الأمة وعزتها. وكان ينبغي للخطبة أن تتناول مظاهر الفرقة وأسبابها وما يمنعها ويزيلها. ومنالأسباب التي تمنع الاختلاف وتزيله والتي كان ينبغي الوقوف عليها:
1- توحيد مصدر التلقي:
إذا أردنا أن تأتلف قلوبنا ويجتمع شملنا، فلننهل جميعًا من النبع الصافي: كتاب الله وسنة نبيه -صلي الله عليه وسلم-، فأحكام الشرع جاءت لتُؤلِّف بين القلوب، وتُوحِّد الصفوف، قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-،: (( إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ )). [1]
وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-،: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ). [2]
2- الرجوع عند التنازع والاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
فالرجوع عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أنجع السبل في الوقاية من داء الاختلاف، كما قال الله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] . وقال تعالى{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10]
وفي حديث الْعِرْبَاض بن سارية -رضي الله عنه-: أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)[3]
3- لزوم جماعة المسلمين ونبذ الفرقة
قال تعالى آمراً عباده المؤمنين { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ -رضي الله عنه-، بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-، فِينَا فَقَالَ: (. . . . عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ. . . ).[4]
لكن هنا يطرح سؤال مهم وهو ما المقصود بالجماعة؟
قال أبو القاسم شهاب الدين المعروف بأبي شامة: وَحَيْثُ جَاءَ الْأَمر بِلُزُوم الْجَمَاعَة فَالْمُرَاد بِهِ لُزُوم الْحق واتباعه وإن كَانَ المتمسك بِالْحَقِّ قَلِيلا والمخالف كثيرا لِأَن الْحق الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ الْجَمَاعَة الأولى من النَّبِي -صلي الله عليه وسلم-، وَأَصْحَابه -رضي الله عنهم-، وَلَا نظر الى كَثْرَة أهل الْبَاطِل بعدهمْ. [5]
قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ -رحمه الله-: قال لي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-، أَتَدْرِي مَا الْجَمَاعَةُ؟ قُلْت: لَا، قَالَ: إنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هُمْ الَّذِينَ فَارَقُوا الْجَمَاعَةَ، الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْت وَحْدَك.
4- حسن الظن بالمخالف الذي يبتغي الحق: فالتشكيك والقدح في نيات الآخرين كفيل بإيجاد جفوة وفجوة بعيدة لا يمكن التلاقي فيها، لكن الواجب على المسلم أن يحسن الظّنّ بكلام أخيه المسلم، وأن يحمل العبارة المحتملة محملا حسنا.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ -رحمه الله-، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلي الله عليه وسلم-،: أَنْ ضَعْ أَمَرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ، فَلَا تَظُنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا مِنَ الْخَيْرِ مَحْمَلًا.”[6] فهكذا يجب أن نحمل آراء الآخرين على المحمل الحسن ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، عندها سنجد أن كثيراً من الاختلافات قد زالت.
5- التثبت قبل إطلاق الأحكام: وذلك امتثالاً لقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] قال الحسن البصريّ -رحمه الله-: المؤمن وقّاف حتّى يتبيّن.”[7]
والواقع أنَّ كثيراً من الناس يحكمون على الآخرين من خلال ما يسمعونه عنهم من غير أن يكلفوا أنفسهم السؤال والتحري عن حقيقة ما سمعوا؛ وقد يكون ما سمعوه هو من اختلاق بعض المغرضين القاصدين للفرقة والنزاع بين المسلمين.
6- الإخلاص في تحري الحق: فإنه يزيل عقبات الاختلاف؛ لكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة النفس في ذلك، وإلزامها الحق بقوة. قال الشَّافِعِيّ -رحمه الله-: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَحِفْظٌ. وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ بَيَّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ. “[8] وقَالَ أيضا ً: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئ.”[9]
ثانيا: وردت في الخطبة فقرة طويلة بعيدة عن صلب الموضوع، تبتدئ من : ” ويشهد لهذا المعنى ما جاء في أصل التكليف والاستخلاف، المبني على التكريم والتفضيل لبني الإنسان..” إلى نهاية الخطبة الأولى.
ثالثا: وردت فقرة في الخطبة الثانية غاية في الأهمية وهي ” دعوة المسلمين لحفظ دين الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الخير في الناس، يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ا۬لْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ا۬لْبَيِّنَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لكنها تحتاج إلى بيان كيفية ومجالات القيام بهذه الفريضة العظيمة كل حسب موقعه ومسؤوليته.
رابعا: ليس فقط أركان الإسلام الخمسة هي التي تحمل في تشريعاتها مقاصد جماعية؛ بل إن التشريع الإسلامي عموما يوصف بأن نزعته جماعية، فحقوق الأفراد في الإسلام قيدت بمراعاة الصالح العام وعدم الإضرار بالآخرين، فلهذا يمنع المرء من عمل هو في الأصل مباح له إذا ترتب عليه إضرار بغيره، وذلك أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه قال: “لا ضرر ولا ضرار”.
كذلك تشكل منظومة الأخلاق في الإسلام إطاراً متكاملاً يربط السلوك الفردي بالإيمان، ولا يقتصر دورها على تهذيب الضمير الداخلي فحسب، بل يمتد ليشكل البعد الجماعي الذي يهدف إلى بناء مجتمع متماسك تسوده قيم التكافل، والعدالة، والتعاون على البر والتقوى، مما يجسد مفهوم “الأمة”، والإسلام يُشبِّه المجتمع في ترابطه بالجسد الواحد، حيث تتأثر الأمة بأكملها بأحوال أفرادها، مما ينمي مشاعر الإيثار والتعاطف والمواساة، كما في وصف النبي ﷺ للمؤمنين: “تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. [10]
والحمد لله رب العالمين
[1] – رواه الحاكم في المستدرك (1/ 172) صحيح الجامع.566.
[2] – رواه ابن أبي عاصم في السنة (49) صحيح الترغيب والترهيب1/ 13.
[3] – سنن أبي داود (4607) صحيح الجامع 1/ 499.
[4] – سنن الترمذي (2165) صحيح الجامع 1/ 499.
[5] – الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: 22).
[6] – التوبيخ والتنبيه لأبي الشيخ الأصبهاني (ص: 76).
[7] – مجموع الفتاوى 10/ 382.
[8] – حلية الأولياء 9/ 118.
[9] – آداب الشافعي ومناقبه (ص: 68).
[10] – متفق عليه.




