الرئيسية-قضايا و آراءمدارات فكرية

د أوس رمال يكتب: هل ما زال الإنسان مركز العالم؟

من الهندسة الوراثية إلى الذكاء الاصطناعي: تأملات في مستقبل الإنسان

لقد ظلّ الإنسان، عبر قرون طويلة، ينظر إلى نفسه باعتباره مركز العالم ومحور الأحداث وغاية التقدّم. وقد عزّزت الثورات العلمية المتعاقبة هذا الشعور، إذ بدا وكأن العقل البشري قادرٌ على كشف أسرار الكون وتسخير الطبيعة وإعادة تشكيل الواقع وفق إرادته. غير أن التحولات الكبرى التي يشهدها القرن الحادي والعشرون أعادت طرح سؤالٍ لم يكن مطروحًا بهذه الحدّة من قبل: هل ما زال الإنسان حقًا في مركز العالم؟ أم أن التطورات التقنية والعلمية بدأت تفرض واقعًا جديدًا يعيد تعريف موقعه ودوره؟

لقد كان التقدم العلمي في الماضي يهدف أساسًا إلى توسيع قدرات الإنسان وتحسين شروط حياته. أما اليوم؛ وقد أصبحت بعض التقنيات الحديثة لا تكتفي بمساعدة الإنسان؛ بل بدأت تقتحم مجالاتٍ كانت تُعدّ من خصوصياته الحصرية. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إنتاج النصوص والصور وتحليل المعطيات واتخاذ بعض القرارات المعقّدة. كما أن الهندسة الوراثية فتحت الباب أمام إمكاناتٍ غير مسبوقةٍ للتدخل في عمق البنية البيولوجية للكائنات الحية، بل وفي بعض خصائص الإنسان نفسه.

وهنا يبرز سؤالٌ فلسفيٌ وأخلاقيٌ عميق: إذا أصبحت قدرة الآلات على أداء عدد من المهام العقلية في تزايد متسارع، وإذا أصبح العلم قادرًا على تعديل بعض الخصائص البيولوجية للإنسان، فماذا يبقى من خصوصية هذا الإنسان؟ وما الذي يجعله متميزًا عن غيره؟

وهذه أسئلة شغلت وتشغل بال مفكرين معاصرين؛ أمثال يوڤال نوح هراري، صاحب كتاب: “الإنسان الإله – موجز تاريخ الغد” Homo Deus))؛ الذي ترجمه عاطف معتمِد لدار التنوير. فبينما يرى بعضُ المتحمسين للتكنولوجيا أن البشرية مقبلةٌ على مرحلة جديدة من التطوّر قد تتجاوز الحدود البيولوجية التقليدية للإنسان؛ يُحذّر آخرون من أن هذا المسار قد يقود إلى إضعاف المعنى الإنساني ذاته؛ إذا لم يُضبط بمنظومة أخلاقية واضحة [1].

وفي خضم هذا النقاش، يقدّم التصور الإسلامي رؤية مختلفة لمكانة الإنسان. فالإنسان في القرآن الكريم ليس مجردَ كائن بيولوجي متطور، ولا مجردَ عقل منتج للمعرفة، بل هو مخلوق مكرّم حمّله الله مسؤولية الاستخلاف في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة: 30]. كما أن تكريمه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[الإسراء: 70] لا يرتبط فقط بقدراته العقليةِ أو الجسدية؛ بل بكونه كائنًا أخلاقيًا مسؤولًا، قادرًا على الاختيار وتحمّل تبعات اختياراته.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، وإنما أيضا بما ينبغي للإنسان أن يفعله بهذه التكنولوجيا. فالتقنيات الحديثة؛ مهما بلغت قوتها؛ لا تملك في ذاتها بوصلة أخلاقية تميّز الخير من الشر، أو العدل من الظلم، أو ما ينبغي فعله ممّا ينبغي الامتناع عنه. لأنّ هذه المسؤولية تظل مسؤولية إنسانية بامتياز.

وفي السياق المعاصر، فإنّ المسألة لا تقتصر على الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية فحسب، بل تمتدّ إلى تحولات أوسع: تمسّ مفهوم الإنسان ذاته. فمع تصاعد النزعات الاستهلاكيةِ وتنامي سلطة الخوارزميات، وتراجع العلاقات الإنسانية المباشرة؛ يطرح كثير من الباحثين سؤالًا حول ما إذا كانت المجتمعات الحديثة تُنمّي إنسانية الإنسان أم تُضعفها تدريجيًا.

وقد نبّه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران؛ صاحب كتاب: “المنهج: إنسانية الإنسانية”؛ إلى أن التقدّم العلمي لا يضمن تلقائيًا التقدّمَ الإنساني، وأن الحضارة الحديثة تواجه خطر الاختلال بين نموِّ القوة التقنية ونمو الحكمة الأخلاقية [2]. كما حذّر عدد من المفكرين من أن التركيز المفرط على الكفاءة والرّبحية والإنتاجية قد يؤدي إلى تهميش أبعادٍ أساسيةٍ في التجربة الإنسانية؛ مثل الرحمة والتضامن والمعنى الروحي…

ولذلك فإن التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية اليوم ليس مجردُ تطويرِ تقنياتٍ أكثرَ ذكاءً، وإنّما هو الحفاظ على إنسان أكثر وعيًا. فأن تصبحَ الآلات أكثرَ قدرةً ليس هو الخطر الحقيقي؛ وإنّما يكمن الخطر في أن يتخلى الإنسان عن مسؤوليته، أو يختزلَ ذاته في أبعادها التقنية والمادية فقط.

وفي النهاية، فإن السؤال ليس: هل سيبقى الإنسان مركز العالم؟ وإنما: أيُّ إنسان نريد أن يبقى مركزا للعالم؟ أهو الإنسان الذي يختزل نفسه في قدراته التقنية، أم الإنسان الذي يحمل رسالةً أخلاقية، ويعي مسؤوليته تجاه خالقه وتجاه غيره وتجاه الكون من حوله؟.

إن التقدم العلمي يظل نعمة عظيمة ما دام خادمًا للإنسان وليس سيدًا له، وما دام يعزّز كرامته بدل أن يهدّدها. ومن هنا يؤكد عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين أن أزمة العصر ليست أزمة علم، وإنما أزمة توجيه أخلاقي للعلم، وهو ما بسطه الدكتور طه عبد الرحمن في: “روح الدين: من ضيق العِلمانية إلى سَعة الائتمانية”، المنشور لدى المركز الثقافي العربي؛ حيث يجعل الإنسان مسؤولًا قبل أن يكون قادرًا، ومؤتمَنًا قبل أن يكون مالكًا للقدرة [3].

 [1] يوڤال نوح هراري، الإنسان الإله – موجز تاريخ الغد Homo Deus) )، ترجمة عاطف معتمِد، دار التنوير.

[2] إدغار موران، المنهج: إنسانية الإنسانية، ترجمة سعيد بنكراد وآخرين.

[3] طه عبد الرحمن، “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، المركز الثقافي العربي.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى