الرئيسية-غير مصنفمقالات رأي

دة. فاطمة الزهراء هيرات تكتب: حالة “التيه القيمي” في السياسة الدولية المعاصرة

تشهد السياسة الدولية المعاصرة حالة غير مسبوقة من التيه والضياع القيمي؛ إذ باتت الشعارات الأخلاقية والمبادئ الكبرى كالحرية غطاء للهيمنة، وحقوق الإنسان – التي أصبحت تجزأ حسب الموقع الجغرافي- والسيادة والعدالة الدولية توظف بصورة انتقائية وازدواجية صارخة، فلم يعد الصراع مجرد تنافس على الموارد، بل أصبح ارتباكا في تعريف المفاهيم. فيما يتراجع الالتزام بالمعايير الدولية وتتراجع المؤسسات الدولية وتخنع لفائدة البراغماتية والواقعية القائمة على القوة والمصلحة والاعتبارات الاستراتيجية، وتتحول معها المبادئ إلى أقنعة والقيم إلى أدوات. ويمكن القول أنها ظاهرة لها تجلياتها وتداعياتها على مستقبل النظام الدولي بشكل صريح.

عالم بلا بوصلة

كان العالم محكوما بصراع إيديولوجي واضح (شرق ضد غرب)، مما جعل القيم السياسية محددة وواضحة المعالم. وكان يفترض بنهاية الحرب الباردة، أن تشكل بداية لحضارة دولية جديدة تنتصر فيها الديمقراطية الليبرالية، وتتحكم فيها قواعد القانون الدولي المثالية، وتصبح منظومة حقوق الإنسان الإطار الأخلاقي الذي لا جدال فيه. غير أن الواقع السياسي الحالي كشف عن وهم هذا التصور.

أصبح المجتمع الدولي اليوم يواجه حالة من السيولة الأخلاقية، حيث تنتهك المبادئ التي أسست عليها منظمة الأمم المتحدة، مما خلق شعورا عاما بفقدان المعنى والعدالة في العلاقات الدولية. وانزلق إلى فوضى قيمية أعمق وأشد خطورة؛ فوضى يتنازع فيها الجميع على المبادئ دون أن يلتزم بها أحد، ويرفع فيها كل طرف شعارات العدالة مستخدما إياها حجرا في لعبة الهيمنة. هذا ما نسميه هنا “التيه القيمي”: حالة تنفصل فيها الخطابات عن الممارسات، والأهداف المعلنة عن الأهداف الحقيقية، في منظومة دولية تسير بلا بوصلة أخلاقية موثوقة.

الازدواجية المعيارية: القيمة كأداة لا كمبدأ

ومن أبرز مظاهر التيه القيمي ما بات يعرف بـ”ازدواجية المعايير”؛ أي توظيف المعايير الأخلاقية والقانونية بصورة انتقائية، بناء على “هوية” الضحية أو “قوة المعتدي”، وليس بناء على حقوق الإنسان الثابتة، يتم تفعيلها وفقا لحسابات المصلحة لا لمبدأ الاتساق والعدالة.

ولا يمكن القول إن هذه الازدواجية حديثة، غير أنها في العقود الأخيرة بلغت حدا غير مسبوق. فقد شاهد العالم كيف تشن حروب بذريعة الديمقراطية، وتسلم السلطة لمن يقدم فروض الولاء والطاعة للمنظومة الغربية، وتفرض عقوبات على دول بتهمة امتلاك أسلحة الدمار الشامل فيما يغض الطرف عن دول حليفة تمتلك ترسانات نووية. بل وصل الأمر إلى أن تجاهر قوى كبرى بحماية جرائم واضحة في مجلس الأمن عبر حق النقض، مانعة أي قرار يدين حلفاءها، وهو ما أفقد المؤسسات الدولية شرعيتها وميزانها.

الشرعية المنقوصة لمؤسسات القانون الدولي

تحول القانون الدولي من أداة لحماية الضعفاء إلى “وجهة نظر” يتم تطويعها لخدمة المصالح الجيوسياسية. فبالرغم من أن المؤسسات الدولية الكبرى – كمجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية وصندوق النقد والمنظمات الإنسانية المختلفة – تعد الإطار المفترض لإدارة التنافس الدولي وتحكيم النزاعات. غير أن هذه المؤسسات تعاني اليوم من أزمة هيكلية حادة تتمثل في عدم الملاءمة بين هيكلها المتجمد الموروث من عام 1945، والواقع المتغير لعالم متعدد الأقطاب.

فمجلس الأمن الدولي الذي ينبغي أن يكون آلية قانونية لحل النزاعات القائمة، أصبح من أول العراقيل التي تعطل أي إجماع دولي الغرض منه استتباب الأمن والسلم الدوليين، من خلال استعمال حق النقض، كلما تعلق الأمر بمصالح إحدى القوى الكبرى. أما محكمة الجنايات الدولية، فقد اصطدمت بواقع مؤلم مفاده أن عدالتها انتقائية: فهي تلاحق الطرف الأضعف وتتحاشى الأكثر قوة، مما أفقدها صدقيتها لدى شريحة واسعة من الفاعلين الدوليين. وفي المقابل، تحوّلت الهيئات الاقتصادية الدولية إلى أدوات ضغط تستخدمها القوى الكبرى لتأديب الاقتصادات الصغيرة، من خلال إثقال كاهلها بالفوائد التي تفرضها من خلال القروض، واستمالة الاقتصادات الكبرى من خلال التمكين لها ومنحها فرص استثمارية وهيكلية.

والنتيجة الطبيعية لهذا الواقع هي تآكل الثقة في الشرعية الدولية، وتصاعد النزعة نحو التحالفات الجزئية والإقليمية خارج المنظومة الأممية، وهو ما جسدته عدة أحداث في الآونة الأخيرة، وكذا انبعاث منطق “القانون الذي يضعه الأقوى” من جديد، وبالتالي عودة السياسة إلى مربع “القوة تصنع الحق” – المدرسة الواقعية- حيث يتم تهميش القيم الأخلاقية المثلى لصالح المصالح الاقتصادية والأمنية المتحيزة والضيقة.

وهنا لا بد من التذكير، أنه لا يمكن قراءة التيه القيمي الدولي بمعزل عن الأزمة القيمية الداخلية التي تعيشها الدول والمجتمعات كاملة، لكنها اليوم تعرف حدة في العالم الغربي، ومن أهم مظاهرها اليأس الشعبي، تراجع الثقة في المؤسسات، واتساع هوة الفوارق الاجتماعية، وتعثر المنظومة الحقوقية.

السؤال المطروح هنا: كيف يمكن لمن يعاني انهيارا في الثقة بمؤسساته الديمقراطية أن يقدم نفسه مرشدا لبقية العالم؟

ومما سبق، يمكن القول إن أزمة الليبرالية الغربية والفراغ القيادي العالمي اليوم، وتراجع دور القوى التقليدية التي كانت تدعي حماية “القيم الديمقراطية”، وظهور قوى صاعدة تتبنى نماذج حكم براغماتية بحتة لا تركز على تصدير القيم. تعد كلها من أهم مسببات هذا التيه القيمي، إلى جانب الثورة المعلوماتية وتحولات الفضاء والسيادة الرقمية التي خلقت حالة من “الإنهاك الأخلاقي، وتزييف الوعي الجماعي، وأصبحت صور المآسي مجرد “ترند” عابر لا يحرك سياسات حقيقية، و”القضية الفلسطينية” تعد المثال الصارخ لهذه الحالة، والتي أظهرت أن القيم العالمية مجرد شعارات تستخدم للمزايدات السياسية لا لتحقيق العدالة الحقيقية و”عدم الانحياز” الذي أصبح مصطلحا متجاوزا أو أكثر تعقيدا ومرونة.

نحو واقعية أخلاقية مركزها الإنسان

الاعتراف بالتيه القيمي ليس الغرض منه، رسم صورة قاتمة أو الاستسلام لواقع سياسي دولي غامض، فالأزمة ليست في القيم ذاتها، بل في الكيفية التي يتعامل بها الفاعلون الدوليون معها، والهدف الأساسي من كل هذا هو العمل على بحث عن مخرج من هذه “الديلمة المتغيرة واللاواعية”، مما يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات قانونية، كإصلاح المؤسسات الدولية بما يعكس موازين القوى الفعلية في القرن الحادي والعشرين، لا أن تبقى محافظة على هيكل ما بعد الحرب العالمية الثانية.

والعمل على الانتقال من مفهوم “تصدير القيم” إلى مفهوم “تشارك القيم”. وبناء ما يمكن تسميته بـ”الواقعية الأخلاقية” التي تعترف بدور المصلحة في العلاقات الدولية، لكنها تضع حدودا وخطوطا حمراء، متوافق عليها، ولا يمكن تجاوزها، تعيد الاعتبار “للإنسان” كقيمة مطلقة، والحفاظ على أمنه وكرامته، مركز اهتمامها وأولى أولوياتها. وهذا يتطلب إرادة سياسية وجرأة لتصبح “ثورة أخلاقية”، بعيدا عن الحسابات الرقمية والحدود الجغرافية في وقت فقدت فيه القيم القديمة صدقيتها، والقيم الجديدة لم تتشكل بعد. فبدون بوصلة قيمية حقيقية، سيظل العالم يتخبط في صراعات لا تنتهي، حيث السياسة فيها ليست فن الممكن، بل فن “الاستقواء”.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى