خواطر حول النجاح المميز – حسن المرابطي

لقد شاءت أقدار الله أن خلقنا في مجتمع وتعرفنا على كثير من الناس دون سابق تخطيط، مما جعلنا نكتشف أناسا طيبين، ولا نملك إلا أن نشهد بما رأينا منهم أو سمعناه، ووثقنا فيهم وتبادلنا الحديث بكل عفوية وود؛ بل كل هذا يجعلنا نطلق العنان لأنفسنا أن نحلم ونخطط لمستقبل أفضل؛ غير أن بعض الأحيان تحدث من الأمور ما يجعل الخلل يتسلل لكل ما سبق، وإنما تبوء كل محاولات استيعاب الأمور وحل بعض الألغاز، ونحن فينا من يتباهى بحل أعقد المعادلات الرياضية والفلسفية؛ لكن كل هذا، لا يجعلنا نصاب بالفشل، كما أنه من الصعب التخلي عن الأحلام والمتمنيات بكل سهولة.

ولهذا، قبل البدء في موضوعنا، أحببت التذكير بشعارنا الخالد: “اللهم ارزقنا المنطق والعمل به”، والذي يلخص منهج حياتنا؛ حيث المقصود بالمنطق هنا ليس المنطق الرياضي الصرف، وإنما إن شئت قلت: استيعاب المنطق الذي تسير به الحياة والكون أجمع؛ بمعنى آخر، فإننا نعيش في كون كله نظام وكل شيء خلقه الله بقدر، ونحن، بني البشر، أعطينا فرصة التصرف والحرية واستخلفنا في هذه الحياة لنسير وفق هذا المنطق المنظم للحياة.

وعليه، فإن الناجح في هذه الحياة هو من استطاع السير وفق هذا المنطق وحظي باستيعابه؛ ولما لا، الوصول إلى الدرجات العليا في إدراك ذلك؛ ولعل حسب فهمنا البسيط للحياة هو أن يصل المرء درجة الولي، والتي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قَالَ: “إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ مُخْلِصاً لِي حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ اَلَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَ بَصَرَهُ اَلَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ اَلَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَإِنِ اِسْتَعَاذَنِي أَعَذْتُهُ”.

من المؤكد، أن الوصول لهذه المرتبة ليس بالأمر اليسير، لكن ما أسعد الإنسان إن وصل وتمنى الوصول؛ لأن الوصول يعني أن كل التحركات التي يأتي بها تكون متوافقة مع ناموس ومنطق الحياة؛ ذلك لأن الله هو الذي يوجه كل الجوارح من بصر وسمع ويد، بل يعطى الترخيص الإلهي وقبول دعوته؛ وهنا نتساءل: هل يمكن لنا أن نعرف هؤلاء الأولياء في هذه الحياة؟ أو أن نكون منهم يوما ما؟

قد يصعب ذلك، لكن ما يمكن الجزم به هو إمكانية تعاملنا مع هؤلاء دون أن ندري بحالهم؛ لذلك كان خلق التواضع أهم خلق يمنحنا الظفر بمنزلة أعلى، بل قد نصادف من يدعو لنا من هؤلاء وتتحصل لنا الدرجة العليا في الدنيا والآخرة؛ ولهذا لا نستغرب ذهول كبار العلماء أمام فعل البسطاء قديما وحديثا، حتى رأينا مصطفى محمود رحمة الله عليه، وهو المفكر الكبير وصاحب العقل العميق، يؤكد في إحدى مؤلفاته الشعور بالدونية وهو يرى أباه يناجي ربه، ويتمنى لو أنه يصل إلى درجة إيمان والده والبسطاء الذين لا يلتفت إلى حضورهم أحد، لما أدركوه من المعاني الروحية دون مشقة ولا تعب.

من المعلوم يقينا، أن الله سبحانه وتعالى خلقنا من ذكر وأنثى، وجعل منا القبائل والشعوب والدول وغيرها، حتى نتعارف فيما بيننا ونتعاون؛ وبدون شك، لو أراد الله غير ذلك لكان؛ ما يعني أننا مطالبون بنسج علاقات مع الجميع إن أمكن، ومن الطبيعي أن هذه العلاقات على درجات مختلفة وقوتها تختلف باختلاف نوع الرابطة وهكذا؛ مما يجعلنا نبحث عن الأولويات التي حددها سبحانه، ومن المعروف أن علاقة المرء بوالديه وذا القربى لها طابع خاص، وتقتضي من الالتزام تجاههم ما لا تقتضيه أي علاقة أخرى.

 وكل هذا، يوجب علينا التذكر أن من هؤلاء من يكون وليا صالحا، لاسيما الوالدين، بل إن وجودهم في هذه الحياة يوفر منفذا خاصا وبابا استثنائيا للفوز برضى الله بعد رضاهم، وهكذا؛ وفي المقابل، فإن مساعدة الآخرين من أجل بر والديهم تمنح المرء درجة البر حتى إن أغلق هذا الباب بسبب فقدانهم؛ ولعل أجل مظهر يمكن تخيله لهذه المساعدة هي تعاون الزوجين على الإتيان ببر الوالدين، وذلك لن يكون بالأمر السهل أبدا، وإنما ما عليهم إلا الصبر واحتساب الأجر عند الله.

اِعلم رحمك الله، أن الإنسان بلا صبر كلا إنسان، قال تعالى: “وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)”؛ وهذا يعني، أن المرء في سبيل تحقيق إنسانيته لابد له من التواصي بالصبر، حتى إن اقتضى الأمر التخلي عن بعض متع الحياة الزائلة، وربما حتى بعض الطموحات والمتمنيات.

وبالتالي، فإن التأمل في إصرار أحدنا العيش بعيدا عن الناس والهروب منهم، ولاسيما والدينا وذوي القربى الذين خصهم الله بوصايا خاصة، يجعل منطقنا يصاب بخلل ما ويتسلل إليه الاعوجاج؛ ومن المؤكد أن كل واحد منا يشعر بين الفينة والأخرى بضرورة الابتعاد عن الزحام وضغوطات الحياة وغيرها من أمور، وهذا ليس عيبا أبدا، وإنما هو دليل على أن الإنسان مهما ادعى القوة يبقى ضعيفا؛ وعليه أن يثابر ويجتهد من أجل تجاوز ذلك الضعف، حتى إن لم يحقق النجاح التام، كتب اسمه ضمن الفائزين برضى الله وجنة الفردوس إن شاء الله.

ختاما نقول: إن المنطق السليم والذي تسير به هذه الحياة، يقتضي منا أن نبحث عن مواطن تُقربنا من الله وترفع من درجاتنا في الدنيا والآخرة؛ وأن كل تصرف، مهما حاولنا الدفاع عنه، وتحت أي ذريعة كان، ووفق كل الاحتمالات الواردة بشأنه، لا يمكن له أن يحقق السعادة في الدنيا والآخرة إن هو سار في الاتجاه المعاكس لمنطق الكون الذي حدده الله.

وبالتالي، فإن ما لا يمكن استيعابه هو: كيف لإنسان، يدعي الطيبوبة والأخلاق، ويهب نفسه للعمل السياسي والخيري ومساعدة الضعفاء، وفي المقابل يفكر في الهروب من واقع ينسجم مع منطق الكون، بل ينسى بر الوالدين والإحسان لذوي القربى، فضلا أنه يوصي غيره بإيداع الوالدين العجزة في مراكز الرعاية مع الترافع من أجل تحسين وبناء هذه المراكز التي يراها الحل الأنسب، فيما هي وسيلة لتكريس العقوق بصيغة لطيفة. 

اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى