حول علوم اللغة العربية وأثرها في توجيه الفهم للخطاب القرآني – عبد الحق لمهى

يتناول الباحثون والدارسون لعلوم اللغة العربية جانبًا من هذه العلوم، محاولين تبيان أثرها في توجيه المعنى وفهم خطاب الوحي (قرآنًا وسنةً)؛ وذلك إيمانًا منهم بوجود علاقة ترابط وثيقة بين تلك العلوم وفهم خطاب الوحي. فما المقصود بعلوم اللغة؟ وكيف أسهمت في فهم الخطاب قرآنًا وسنةً؟
للغة العربية جملة من العلوم، منها: النحو، والصرف، والتركيب، والبلاغة الموسعة (التي تضم علومًا مختلفة)، وتتفرع ضمن كل علم من هذه العلوم “مباحث” وتفاصيل؛ وما يهم منها في هذا الصدد هو كونها الوسيلة المثلى لفهم خطاب الوحي قرآنًا وسنةً.
وأقصد بخطاب الوحي في هذا الصدد: القرآن الكريم؛ بوصفه كلام الله المنزل على رسوله ﷺ، والمتعبد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، والمبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس، كما يشمل الخطاب السنة النبوية الشريفة، وهي مجموع ما صدر عن النبي ﷺ من الأحاديث. فكيف أسهمت علوم اللغة في فهم خطاب الوحي المشار إليه في هذا السياق؟
تترامى أطراف موضوع أثر علوم اللغة في فهم خطاب الوحي، لذا أكتفي في هذا الصدد بإشارات موجزة؛ ومن ذلك ما وقف عليه المهتمون بهذا المجال، حيث تناولوا نصوص القرآن ودرسوها من جوانب شتى: فمنهم من درس النص القرآني دراسة نحوية، ومنهم من اعتنى بالدراسة الصرفية أو المعجمية أو البلاغية…. ومن الأمثلة الجلية على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]؛ حيث نجد في الآية لفظ “مِن” التي تعددت دلالاتها اللغوية عند النحاة، مما أثر في توجيه فهم الآية.
لقد سقتُ مثلاً من علم النحو وأثره في فهم الخطاب القرآني، مع التأكيد على أن هناك دراسة للنصوص القرآنية من جوانب أخرى، سواء أكانت معجمية أم صرفية..
من خلال ما تقدمت الإشارة إليه في الأسطر السابقة، يمكن الوصول إلى خلاصات منها: وجود تعدد في علوم اللغة، مما يثمر معه تعددًا وغنىً في فهم خطاب القرآن والسنة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن أي فهم للخطاب القرآني من قِبل العقل المسلم المعاصر، ينبغي له أن يأخذ في الحسبان هذا التعدد في الفهم والغنى في الدلالة الناتج عن توظيف مختلف علوم اللغة العربية خدمةً لفهم ذلك الخطاب. بتعبير آخر: إن إغفال إعمال مختلف علوم اللغة في فهم الخطاب القرآني، وحمل هذا الأخير على معنى واحد دونما استحضار لباقي الدلالات التي تنتج عن توظيف العلوم الأخرى، من شأنه تضييق دائرة الاتساع التي خُص بها الخطاب القرآني. والأخطر من ذلك كله هو نفي باقي الدلالات التي تستفاد من إعمال العلوم الأخرى في فهم النص القرآني.
إن الغرض من الكلام السالف الذكر هو التنبيه على أهمية الإحاطة -أو على الأقل استحضار- مختلف علوم اللغة العربية ودورها المحوري في فهم النص الشرعي. هذا وإن من شأن هذا الثراء في المعاني تحقيق قدر كبير من الغنى والتنوع في الفهم الذي يناسب مختلف أحوال الناس في علاقتهم بالنص الشرعي فهمًا وتنزيلاً.




