حسن حمورو يكتب: أحداث سبتة والبحث الوطني حول العائلة.. قراءة في مجتمع مستنزف

الأحداث الكبيرة لا تكون بنت لحظتها، وأزمات الهجرة لا تبدأ عند الحدود، أحيانا يكون الحدث مجرد لحظة تكشف ما كان يتراكم بصمت داخل المجتمع.
خلال الأيام الأخيرة لشهر يوليوز 2026، تابع الرأي العام محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، فكان النقاش في معظمه منصبا على الجوانب الأمنية، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى الجهات التي حرضت أو نسقت أو استغلت هشاشة بعض الشباب، وهي أسئلة مشروعة وربما ضرورية، لكن الاقتصار على البحث عن جواب لها، قد يحجب السؤال الأهم الذي يتصدى للأسباب التي جعلت النداءات المضللة والتحريضية، تلقى كل هذا الصدى والاستجابة؟
قبل أشهر، نشرت المندوبية السامية للتخطيط نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025. وبدا الأمر بالنسبة للكثيرين مجرد مناسبة لعرض أرقام وإحصاءات عن الزواج والطلاق، وحجم الأسر وأشكال التضامن العائلي، غير أن القراءة المتأنية لهذه النتائج، تكشف أنها ليست مجرد وصف او تشخيص لمشاكل الأسرة المغربية، بل هي تشخيص لحالة المجتمع نفسه.
هناك فكرة يمكن أن يتوسع فيها الباحثون في علم الاجتماع السياسي، تقول بأن المجتمع المستنزف نفسيا، يصبح ضعيف المبادرة، ومقلص الأمل، ويجعل أفراده منشغلين بتدبير يومهم أكثر من انشغالهم ببناء المستقبل، وتبدو أحداث سبتة وكأنها تقدم وجها آخر لهذا الاستنزاف، لأن جزء كبير من الشباب عندما ثقته في إمكانات الصعود الاجتماعي داخل وطنه، يصبح أكثر استعدادا لتصديق أي وعد بالخلاص، حتى وإن كان ذلك الوعد ينتهي عند البحر، أو خلف الأسلاك الشائكة على الحدود.
ليست القضية هنا قضية فقر فقط، فالفقر عرفه المغرب في مراحل كثيرة، ولم يكن ينتج دائما هذا النوع من السلوك الجماعي، لكن الجديد هو تلاقي الضغوط الاقتصادية مع الإحباط النفسي، ومع تراجع قدرة المؤسسات الوسيطة على القيام بوظيفتها، سواء كانت الأسرة أو المدرسة أو المسجد أوالجمعيات أوالأحزاب، أوالنقابات، وحتى الخطاب العمومي، والمؤسسات التمثيلية.
لقد كانت الأسرة المغربية لعقود طويلة، تؤدي وظيفة تتجاوز الإيواء والإنفاق، إذ كانت تصنع القيم وترسم الأفق، وتنتج الصبر، وتمنح أبناءها شعورا بالانتماء والأمان، إلا ان نتائج البحث الوطني حول العائلة 2025، تشير إلى أن هذه المؤسسة نفسها تعيش تحولات عميقة، تحت ضغط الاختيارات الاقتصادبة ووهم التحضر او التمدن، والتغيير القسري لأنماط العيش، وتأثير الثورة الرقمية.
هذه النتائج لا تعني أن الأسرة المغربية انهارت، ولا تحميلها مسؤولية ما وقع وما سيقع، وإنما كانت تنبيها جديا إلى أن قدرة الأسرة على الاحتواء والتأطير، لم تعد كما كانت، وأن المجتمع لم ينجح، في المقابل، في بناء مؤسسات جديدة تعوض هذا التراجع، وهنا تكمن الخطورة.
إنه عندما يضعف الاحتواء والاستيعاب الأسريين، ويتراجع التأطير التربوي، وتفقد السياسة قدرتها على إنتاج الأمل، ويصبح الفضاء الرقمي المرجع الأول للشباب، فإن المجتمع يصبح أكثر قابلية للاندفاع الجماعي، سواء تعلق الأمر بالهجرة، أو بالعنف أو بالمخدرات، أو بأي سلوك جماعي آخر.
لهذا تبدو أحداث سبتة أكبر من مجرد حادث حدودي، إنها مؤشر اجتماعي ينبغي أن يقرأ بالقدر نفسه الذي تقرأ به المؤشرات الاقتصادية والديمغرافية، فالدول والنخب السياسية التي تحسن قراءة مجتمعها، لا تنتظر الأزمات حتى تبدأ في التفكير، بل تعتبر كل حدث فرصة لمراجعة اختياراتها السياسية والاقتصادية وسياساتها العمومية.
المغاربة اليوم ليسوا بحاجة إلى نقاش ينتهي عند البحث عن المحرضين- مع أهمية ذلك- وإنما إلى نقاش أعمق حول أسباب قابلية آلاف الشباب للاستجابة للتحريض أصلا، فالمجتمع الواثق من مستقبله لا يتحول بسهولة إلى جمهور ينتظر أول نداء للهجرة، والمجتمع الذي يشعر أفراده بأن لهم مكانا في وطنهم، لا يبحثون عن وطن بديل، او فرص كرامة خارج وطنهم.
ربما لهذا ينبغي إعادة قراءة البحث الوطني حول العائلة كوثيقة سياسية بالمعنى النبيل للكلمة، لا لأنها تتحدث عن السياسة، بل لأنها تتحدث عن الإنسان الذي تقوم عليه كل سياسة، فالدولة تتقدم على سلم الرشد ، كلما استثمرت في الأسرة وفي المدرسة، وفي الصحة النفسية، وفي الإدماج الثقافي والاقتصادي للشباب، لا كملفات اجتماعية منفصلة، بل كمداخل بناء الأمن الاستراتيجي على المدى البعيد.
قد تستطيع أجهزة الدولة أن تمنع عبورا جماعيا في محطات معينة، لكنها لن تمنع تكراره إذا بقيت الأسباب العميقة التي تجعل بعض الشباب يشعر بأن مستقبله يوجد خارج حدود وطنه، فالحدود لا تحميها الأسوار ولا الأسلاك الشائكة ولا المقاربات الأمنية وحدها، وإنما يحميها أيضا مجتمع متماسك، وأسرة قادرة على الاحتواء، وشباب يرى في وطنه فرصة للحياة، لا مجرد محطة انتظار الفرصة.. فرصة الرحيل لا “فرصة” حكومة زواج المال والسلطة.




