مقالات رأي

تطورات القضية الوطنية – نورالدين قربال

رسم جلالة الملك الاستراتيجية الدبلوماسية للمملكة انطلاقا من عنصري الوضوح والطموح. وهذا العمل الدبلوماسي متوارث لأن المغرب دولة لها سيادة، ولها جذور تاريخية، وحضارية، وإنسانية، ودينية اعتمادا على مبدأ الوسطية والاعتدال، والتعاون والتضامن.

اعتمادا على هذه الرؤية، حقق المغرب تطورا دبلوماسيا واضحا على مستوى الاعتراف بوحدته الوطنية والترابية. والتي تشكل أكثر من 80 في المئة من المعترف بها دوليا. ونستحضر في قمة هذا الهرم اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وسيادته على أقاليمه الجنوبية.

ومن تم يقع الانسجام بين المعطى التاريخي الذي تحدثنا عليه في البداية، والتطور الدبلوماسي الحاصل اليوم. مما يفسر مصداقية دبلوماسية المملكة، وجديتها، وواقعيتها دوليا.

إن ما وقع بين المغرب والولايات المتحدة جاء نتيجة الصداقة والتعاون الذي يجمع الدولتين تاريخيا وحضاريا واستراتيجيا. تعاون مبني على الثقة، والوضوح، ولا غرو أن الولايات المتحدة مازلت تفتخر بسنة 1777 حيث اعتبر المغرب الدولة الأولى المعترفة باستقلالية الدولة الأمريكية.

وذيلت الولايات المتحدة الامريكية هذا الاعتراف، بمصداقية مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الذي قدمه المغرب سنة 2007، ووصفته الأمم المتحدة بالواقعية، والمصداقية، والجدية. وبالتالي هذا الاعتراف الأمريكي نتيجة طبيعية وجبلية لحوار وعلاقات دائمة بين البلدين. والتعاون على القضايا الاستراتيجية التي تشغل الرأي العام العالمي.

إن ما وقع بين البلدين استراتيجي وبنيوي وهيكلي مبني على اختيارات مؤسساتية وسيادية، ذات بعد سياسي وتاريخي وقانوني وحضاري. عنوانها الأكبر الاحترام، والثقة والتعاون الدائم. والمغرب يعتز بهذا الاعتراف الأمريكي، للخصوصيات الحضارية التي ذكرناها والتي تتسم بالرأسمال غير المادي من جهة، واعتبارات أخرى واقعية تتجلى في كون الولايات المتحدة أقوى دولة عالميا، وعضو مهم داخل مجلس الأمن، وله يد بيضاء في كتابة مسودة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.

 ومن اجل التأكيد على مصداقية وحدتنا الترابية، نظمت الدبلوماسية المغربية ودبلوماسية الولايات المتحدة ندوة وزارية مشتركة بمشاركة حوالي 40 دولة من أجل بسط مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد لقضية عمرت أكثر من أربعين سنة. وقد خلص الجميع إلى القناعة بجدية ومصداقية وواقعية مشروع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ومما أكد هذا التوجه هو إعلان مجموعة من الدول الشقيقة عن فتح قنصلياتها بالمناطق الجنوبية خاصة بالعيون والداخلة. وهذا ما يصطلح عليه بدبلوماسية القنصليات، لانها تعزز الاعتراف العملي باختيارات مغربية واضحة لأولي النهى والترجيح.

نستنبط من هذه التوطئة أن توطين معبر الكركرات، والاعتراف الأمريكي وما نتج عنه من تداعيات شكل منعطفا استراتيجيا على مستوى قضيتنا الأولى حالا ومآلا.

القضية الوطنية والتوجه الإفريقي:

إفريقيا في حاجة إلى المغرب، والمغرب في حاجة إلى إفريقيا، هذا ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس أثناء العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017. وللإشارة رغم مغادرة المغرب لمنظمة الوحدة الإفريقية، لم يتخل عن العلاقة بينه وبين الدول الشقيقة الإفريقية، والمؤشر هو توقيع المغرب مع الدول الإفريقية أكثر من 1000 اتفاقية منذ 2002.

ونستحضر في هذا المقام اللقاء العالمي الذي تم بالبيضاء والذي مرت عليه أكثر من 60 سنة، وقد كانت إفريقيا حاضرة بالقوة كالعادة. والتي اعتبرت أولوية في الاهتمام، والتزام دولي. لذلك أعلنها جلالة الملك مدوية: تعاون جنوب – جنوب، رابح رابح. وقد تحول هذا الشعار إلى مشاريع تكرس هذا التوجه، نموذج خط الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا مروا بأربع عشرة دولة ووصولا إلى أوربا. واعتبر هذا المشروع مثالا حيا لاتفاقية تعاون جنوب جنوب يحتدى به.

إن المغرب بعودته إلى إفريقيا أعلن تقاسمه كل ما يملك من المعارف والخبرة مع الدول الشقيقة خاصة على مستوى التنمية، والأمن والاستقرار، والهجرة، والطاقات البديلة، والمناخ والتأمين والسكن، والتنمية البشرية وغيرها من القطاعات.

ومن أهم المجالات التي تبناه مجموعة من الدول الإفريقية الشأن الديني بالمغرب، الذي تميز بالوسطية والاعتدال. انطلاقا من مفهوم إمارة المومنين. وتوج هذا العمل بفتح مجال التكوين الديني بمؤسسة محمد السادس للأئمة الأفارقة، والذي أصبح مركزا استراتيجيا يقتدى به إفريقيا وعالميا. خاصة في مرحلة تتسم بانتشار ظواهر العنف والإرهاب والتطرف.

إن المغرب بعودته إلى إفريقيا، ساهم في نشر الدفء الأخوي القاري، لأن المقاربة تناغم فيها الديني بالسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والإنساني والحضاري. مما كسب قلوب حوالي 40 دولة إفريقية شقيقة. وبقي المعترفون بالدولة الوهمية وهم قلة قليلة، للأسف يعيشون على أوهام الحرب الباردة، ولكن رغم هذا فهم يحترمون المغرب، باستثناء النظام العسكري الجزائري، الذي يعمل لصالح أجندة خارجية إحداثا للتوازن حسب تقديرهم داخل المنطقة. كما هو الشأن بالنسبة للنظام السوري في الشرق الأوسط.

إن هذه المقاربة تسعى لجعل القارة الافريقية تستثمر غناها بناء على الشراكات انطلاقا من رابح رابح. مع استثمار الرأسمال البشري الذي تزخر به القارة. ولابد من إشراكه في عمارتها حتى لا يفكر في أمر آخر غير مشروع. والمغرب حاضر بقوة في هذا العصر العصيب الذي يعش تداعيات جائحة كورونا، ودعمه لأكثر من 20 دولة إفريقية بالمساعدات الصحية، 80 في المئة منها من صنع مغربي. مؤشر على روح التضامن. وقد طرح على المستوى الإفريقي استراتيجية لمواجهة الوباء، لكن للأسف تعرضت الدولة الجزائرية دون تقديم بدائل.

والمغرب يفتح يده للجميع من أجل تبادل الخبرات والتجارب، لذلك كل مراكزه مفتوحة أمام الأشقاء من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل. في ظل السيادة الإفريقية. خاصة في المجال الديني، والفلاحي، والطاقي، والصحي، والتنموي القاري والحضاري، والصناعي…

ولا شك أن هذه المقاربة انعكست على قضية وحدتنا الترابية انطلاقا من الإجراءات التالية:

1-القرار الشجاع للاتحاد الإفريقي بنواكشط بالدولة الشقيقة موريتانيا سنة 2018 والداعي إلى جعل قضية الصحراء حصريا بيد الأمم المتحدة مع تشكيل “ترويكا” التي تهتم بتكييف وتنزيل قرارات الأمم المتحدة.

2-الحرص الدبلوماسي المغربي الدائم على عدم إصدار أي قرار متعلق بالصحراء المغربية منذ رجوعه إلى الاتحاد الإفريقي.

3-تحرير الهياكل الاستراتيجية للاتحاد من الهيمنة الجزائرية إلى فضاءات لخدمة إفريقيا خاصة المفوضية ومجلس السلم والأمن الذي هيمنت عليه الجزائر منذ 2013.

4-تمثيلية محترمة من قبل البرلمان المغربي في البرلمان الإفريقي، الذي فوت على خصوم وحدتنا الترابية فرصا كانت متاحة لهم منذ سنة 2004.

5-أكثر من 40 دولة سحبوا الاعتراف بالجمهورية الوهمية التي تفتقر إلى شروط قيام الدول حسب القانون الدولي العالمي. والتي هي من صنيعة النظام العسكري الجزائري.

6-المساهمة في الهيكلة الجديدة للاتحاد الإفريقي في أفق طرد الجمهورية الوهمية من هذه المؤسسة العتيدة، لأنها لا تعترف بها الأمم المتحدة. في أفق تصحيح الخطأ التاريخي كما قال جلالة الملك الذي وقع في الثمانينات، من قبل النظام العسكري الجزائري.

استنتاجات ومخرجات

ضرورة الاستمرار في توضيح حقيقة قضيتنا الوطنية والتي شوشت عليها الدولة الجزائرية بإيعاز من أجندة خارجية، كان ضحيتها المنطقة المغاربية والمجاورة خاصة الشعب الجزائري الشقيق.

-الصحراء مغربية وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أكد على ذلك جلالة الملك، وكل المؤشرات الدينية والتاريخية والحضارية والقانونية والدبلوماسية تدل على ذلك.

-الاستمرارية في الانفتاح على كل من يريد معرفة الحقيقة، مسلحين بالمعرفة التاريخية والحضارية والقانونية والدبلوماسية واللغوية.

-تسويق الأهداف الاستراتيجية للنظام العسكري من قضية وحدتنا الترابية والوطنية، تاريخيا وسياسيا وجيو استراتيجيا، مع الاعتماد على ساكنة الصحراء في هذه الدبلوماسية العالمة والمتمرسة.

-الانتقال إلى الدبلوماسية الجغرافية بالنبش في التاريخ، وإصدار خرائط المملكة المغربية الشريفة قبل الاستعمار الفرنسي، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

-فضح أدبيات الحرب الباردة التي أطرت الاختيار الأيديولوجي البئيس الذي أعلن فشله ببرسترويكا الرئيس “غورباتشوف” وسقوط خط برلين.

-المغرب في صحرائه بناء على منطق الإجماع الوطني تحت قيادة جلالة الملك حفظه الله، والمسيرة الخضراء والزيارات المتتالية لمعبر الكركرات وغيرها مؤشرات سيميائية، الدالة على مدلول واضح، أن إخواننا وأخواتنا بمخيمات تندوف لو فتح لهم الباب لرجعوا إلا بلدهم الأصلي، ونحيي المقاومة المدنية داخل المخيمات ضد النظام العسكري الجزائري وعملائه.

-تدعيم الدبلوماسية الرسمية بالدبلوماسية المدنية والتعاون على مستويات سياسية، وتاريخية، وإنسانية، واجتماعية، وثقافية و…

وأخيرا نؤكد أن جلالة الملك حفظه الله هو الرائد في هذه المقاربة، ورمز وحدتنا الترابية والوطنية، والواضع الخطوط العريضة للتنمية الداخلية والانفتاح الكوني، في ظل السيادة المغربية، انطلاقا من استراتيجية هادئة تتسم بالوضوح والطموح. والالتزام الصادق والمسؤولية من أجل بناء الازدهار والتقدم والتنمية بشقها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والتضامني. وهذا مستوى عال من المواطنة الكونية الصادقة المتميزة بالجدية والمصداقية والواقعية. لهذا كله لن يسمح أي مغربي ومغربية بالمس بمقدساتنا والتي هي من ثوابتنا الجامعة: الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي. وخاصة المؤسسة الملكية، التي لن نسمح لأي كان أن يمس حرمته، وله منا واجب التوقير والاحترام. فهو رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها والضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة كما أكد على ذلك دستور 2011 بتصرف، فليحذر النظام العسكري اللعب بالنار. فالمسرحية انتهت والحقيقة برزت، فهل سيغلب النظام العسكري الجزائري منطق الحكمة والتعقل أم سيتمادى في التيه والضلال؟

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى