باباخويا يكتب: حركة التوحيد والإصلاح في زمن التحولات بين الصحوة وسؤال الفعل الحضاري
الحلقة الأولى: حين يصبح السؤال واجبا

تستعد حركة التوحيد والإصلاح لعقد جمعها العام الثامن، في محطة ليست كسائر المحطات التنظيمية. فهي لا تأتي فقط لتقييم مرحلة مضت، وانتخاب قيادة جديدة، واعتماد برامج للمرحلة المقبلة، وإنما تأتي ـ في تقديري ـ في لحظة تاريخية تفرض على الحركة، وعلى كل من يعنيه مستقبل المشروع الإصلاحي الإسلامي في المغرب، أن يتوقف قليلًا، وأن ينظر إلى التجربة من مسافة تسمح برؤية ما لا تراه العين وهي منهمكة في تفاصيل العمل اليومي.
فالمؤسسات والتنظيمات الحية لا تقاس فقط بقدرتها على الإستمرار، وإنما بقدرتها على مراجعة ذاتها، والحركات التي تحمل رسالة ممتدة في الزمن لا يكفيها أن تسأل: ماذا أنجزنا..؟ بل تحتاج في لحظات التحول، إلى أسئلة أكثر قلقًا وعمقًا، من قبيل:
هل ما زالت الصيغة التي نجحت بالأمس قادرة على النجاح غدًا..؟
وهل ما زالت الأدوات التي صنعت أثرًا في زمن الصحوة، قادرة على صناعة الأثر نفسه في زمن ما بعد الصحوة..؟
وهل تغير المجتمع أسرع من قدرتنا على تغيير أدواتنا..؟
وهل استنفدت بعض اختياراتنا التاريخية وظائفها، فأصبح من مقتضيات الوفاء للرسالة أن نراجعها لا أن نحرسها..؟
هذه الأسئلة ليست إعلانًا عن أزمة، ولا حكمًا مسبقًا على تجربة، ولا دعوة إلى القطع مع الماضي.. وإنما هي في جوهرها، تعبير عن الإيمان بأن التجديد والمراجعة من شروط حيوية المشاريع الإصلاحية.
ولعل من المفيد هنا استحضار تجربة الحركة نفسها، فقد وصف ذ.محمد يتيم حركة التوحيد والإصلاح بأنها ثمرة “مسار مراجعة فكرية وتصورية متواصلة”، وأن هذه المراجعات كانت من الملامح التي ميزت تجربتها.
ومن ثم فإن المراجعة ليست طارئًا على تاريخ الحركة، ولا خروجًا عن روحها، بل هي جزء من منطق تشكلها ذاته، بل إن ذ.محمد الحمداوي – الرئيس الأسبق للحركة- دعا في عدة مناسبات، إلى تجاوز الأفكار المعيقة للمشاريع الإصلاحية عبر تجديدها أو التخلي عنها دون أدنى حرج، وربط ذلك باليقظة الإستراتيجية والإنتباه للتحولات المجتمعية، مؤكدًا أن “الأفكار الرافعة تتولد من التثاقف والنقد والمراجعة والحوار الجماعي..”
وهذا بالضبط ما ستحاول هذه السلسلة من المقالات أن تفتحه.
أولا- من الوفاء للتجربة إلى الوفاء للرسالة:
ثمة فرق بين الوفاء للتجربة والوفاء للرسالة، فالرسالة ثابتة في أصولها ومقاصدها، أما التجربة فهي اجتهاد بشري في تنزيل تلك الرسالة في ظرف تاريخي معين، والخلط بين الأمرين قد يحول التجربة الناجحة إلى قيد على المستقبل.
لقد كانت الحركة الإسلامية في مراحل مختلفة من تاريخها، جوابًا عن أسئلة عصرها. أسئلة الهوية والاغتراب والإستلاب الثقافي، وضعف التدين والحاجة إلى إعادة بناء الشخصية المسلمة، وإحياء وظيفة الدعوة والتربية، واستعادة حضور القيم الإسلامية في المجال العام.. وهذه الوظيفة التاريخية لا ينبغي التقليل من شأنها، فقد أسهمت الحركات الإسلامية المعاصرة في إعادة الاعتبار للدين في المجال العام، وفي بناء أجيال من المتدينين، وإحياء العمل الدعوي والتربوي، وإنتاج خطاب إسلامي حاول أن يتفاعل مع أسئلة الدولة والمجتمع والثقافة والسياسة.. وكانت حركة التوحيد والإصلاح واحدة من التجارب المغربية التي راكمت عبر عقود، خبرة معتبرة في الدعوة والتربية والعمل الثقافي والاجتماعي، ثم اجتهدت في صياغة علاقة خاصة بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وفي بناء نموذج يقوم على التمايز والتكامل.
وقد لخص د.أحمد الريسوني – أول رئيس لحركة التوحيد والإصلاح- جانبًا مهمًا من خصوصية الحركة في تركيزها على “إقامة الدين وإصلاح المجتمع” بدل اختزال المشروع في إقامة الدولة، معتبرًا أن إقامة الدين أوسع من مجرد تطبيق الشريعة، وأنها تشمل مختلف مكونات المجتمع ومجالات الإصلاح.
وهذا التحول في حد ذاته مثال على أن الحركة لم تكن مجرد تنظيم جامد، وإنما كانت قادرة، في مراحل من تاريخها، على إعادة صياغة بعض مفاهيمها واختياراتها.
لكن التاريخ لا يتوقف عند اللحظة التي نجح فيها النموذج، فالمجتمع الذي نشأ فيه ذلك النموذج تغير، والإنسان تغير، وأدوات التأثير تغيرت، والسياسة تغيرت، والثقافة تغيرت، والتكنولوجيا أعادت تشكيل طريقة الإنسان في التعلم والتدين والتواصل والانتماء وصناعة الرأي..
وهنا تلتقي التجربة مع التحليل النقدي للمفكر عبد الوهاب المسيري للحداثة، فالحداثة عنده ليست مجرد مظاهر تقنية متغيرة، وإنما منظومة أعمق تتصل برؤية للإنسان والعالم، وقد حذر من أن تؤدي العقلانية التكنولوجية والمادية المنفصلة عن القيمة إلى إعادة تشكيل الإنسان وفق منطق وظيفي وأداتي. ولذلك فإن التحول التكنولوجي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد انتقال من الكتاب إلى الهاتف، أو من المنبر إلى المنصة، بل إنه تحول في بنية التلقي والتأثير وتكوين الوعي نفسه.
ومن ثم فإن السؤال المشروع ليس: هل كانت اختياراتنا السابقة صحيحة..؟
بل، هل ما زالت صالحة بالصيغة نفسها اليوم..؟
ثانيا- من زمن الصحوة إلى سؤال الفعل الحضاري:
لقد كان مشروع الصحوة في جوهره مشروعًا لإعادة بناء الإنسان المسلم، أما اليوم فنحن أمام إنسان جديد، أو على الأقل أمام إنسان تتشكل شخصيته في بيئة مختلفة جذريًا. جيل لا يتلقى المعرفة من الشيخ أو الكتاب وحدهما، ولا ينتظر المنبر لكي يسمع الخطاب، ولا يعيش داخل بيئة ثقافية واحدة. إنه يعيش في فضاء مفتوح، تتجاور فيه الفتوى مع المعلومة، والعلم مع التضليل، والقدوة مع المؤثر، والكتاب مع الفيديو القصير، والمدرسة مع المنصة الرقمية. فأصبح الهاتف المحمول بالنسبة إلى كثير من الشباب، مدرسةً وإعلامًا وفضاءً اجتماعيًا، ومصدرًا للهوية والتصورات والقيم.
وهنا تكتسب ملاحظة علماء الاجتماع حول التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في بنية الحياة الحديثة أهميتها، إذ يربطون بين الثورة المعلوماتية وبين تغيرات أوسع في أنماط الحياة والمؤسسات الاجتماعية، ولا سيما المؤسسات الوسيطة.
فهل يمكن أن تبقى أدوات التربية التي نشأت في بيئة الأمس تعمل بالفاعلية نفسها في بيئة اليوم..؟
وهل ما زالت الأسرة/الجلسة التربوية قادرة وحدها على القيام بوظيفة التحصين الفكري والثقافي..؟
وهل ما زالت نظرية صفاء منابع التلقي، التي تحدث عنها سيد قطب في تفسير نشأة الجيل القرآني الأول، قابلة للتنزيل بالصورة نفسها في عالم أصبحت فيه منابع التلقي بلا حدود تقريبًا..؟
هذه ليست أسئلة لإدانة النموذج التربوي، وإنما لاختبار قدرته على التطور، فالغاية من التربية ليست الحفاظ على شكل الوسيلة، وإنما بناء الإنسان القادر على حمل الرسالة في شروط عصره.
وهنا يلتقي السؤال التربوي بالسؤال الحضاري عند مالك بن نبي، فقد جعل الإنسان محورًا أساسيًا في مشكلة الحضارة، وقرر أن “مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته”، وأن فهم المشكلة الحضارية يتطلب فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.
ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم التربية، لا باعتبارها عملية لإنتاج عضو تنظيمي جيد فحسب، وإنما باعتبارها عملية لصناعة الإنسان القادر على الفعل الحضاري.
ثالثا- هل استنفدت الحركة الإسلامية نموذجها..؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إزعاجًا في هذه السلسلة، لكن الأسئلة المزعجة هي أحيانًا أكثر الأسئلة ضرورة.
حين نسأل: هل استنفدت الحركة الإسلامية نموذجها…؟ لا نعني أن الإسلام استنفد رسالته، ولا أن الدعوة انتهت، ولا أن الإصلاح أصبح بلا معنى..
وإنما نعني شيئًا أكثر تحديدًا: هل استنفدت بعض الأشكال التنظيمية، والمناهج التربوية، والخطابات الثقافية، ونظريات العمل، وظائفها التاريخية…؟
وهل نحن أمام أزمة ظرفية يمكن تجاوزها بإصلاح بعض الاختلالات…؟ أم أمام تحول تاريخي أعمق يحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الحركة نفسها…؟
إن علم الاجتماع التنظيمي يعلمنا، أن المؤسسات قد تستمر في الوجود حتى بعد أن تتغير البيئة التي نشأت فيها، وأن الجمود المؤسسي يمكن أن يجعل الوسيلة غاية في ذاتها. ومن هنا يمكن استحضار مفهوم شيخوخة التنظيمات، فالشيخوخة لا تعني بالضرورة انتهاء التنظيم أو سقوطه، وإنما قد تعني اتساع المسافة بين بنيته الداخلية وبين التحولات التي طرأت على البيئة المحيطة به.
ولهذا ينبغي أن نميز بين بقاء التنظيم وحيوية المشروع، وهذه التفرقة شديدة الأهمية. فقد يبقى التنظيم قويًا من حيث العدد والانضباط، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج الأفكار، وقد يحتفظ بشبكة واسعة من الأعضاء، لكنه يعجز عن إنتاج الرموز التي يتجاوز إشعاعها حدود التنظيم، وقد تستمر برامجه التربوية، لكن دون أن تنجح بالقدر نفسه في مخاطبة الإنسان الجديد، وقد تستمر المؤسسات، لكن يضعف سؤال: ما القيمة التي تضيفها هذه المؤسسات إلى المجتمع..؟
وهنا يصبح من المفيد استحضار ما ذهب إليه ذ.محمد الحمداوي في حديثه عن “الأفكار الرافعة”؛ إذ اعتبر أن من خصائص الفكرة الإصلاحية أن تكون سابقة للانسدادات المحتملة، وقادرة على استشراف التحولات، وتجديد المقاربات، وإحداث أثر جديد.
وهذا يعني أن المؤسسة الإصلاحية لا ينبغي أن تنتظر حتى تتحول التحولات إلى أزمات لكي تبدأ التفكير فيها، بل ينبغي أن تكون سابقة إلى قراءة التحول، وهنا تصبح المراجعة ضرورة لا ترفًا.
رابعا- سؤال الإنسان قبل سؤال التنظيم:
ربما يكون من المفيد أن نقلب ترتيب الأسئلة، فبدل أن نسأل أولًا: كيف نحافظ على التنظيم..؟ ينبغي أن نسأل: أي إنسان نريد أن نصنع..؟
ثم: أي مجتمع نريد أن نبني..؟
ثم: ما نوع المؤسسة القادرة على خدمة هذا الإنسان وهذا المجتمع..؟
فالتنظيم وسيلة والإنسان غاية، والهياكل خادمة للرسالة، وليست الرسالة خادمة للهياكل. وقد يكون هذا المنظور قريبًا من بعض أطروحات مالك بن نبي، في جعل الإنسان عنصرًا محوريًا في الفعل الحضاري. فالنهضة لا تبدأ بمجرد استيراد الأدوات، وإنما تبدأ ببناء الإنسان القادر على توجيه الطاقات، واستثمار الوقت والمجال في اتجاه حضاري.
وهذا يفتح الباب أمام إعادة التفكير في مفهوم العضوية نفسه، ففي زمن الصحوة كان الإنضمام إلى التنظيم أحد أهم أشكال التعبير عن الالتزام بالمشروع، أما اليوم فقد يكون التأثير أكثر تنوعًا. كأن يكون الإنسان مربيًا أو باحثًا، أو أستاذًا أو مهندسًا، أو إعلاميًا أو فاعلًا اجتماعيًا، أو صاحب مبادرة، دون أن يكون جزءًا من الهيكل التنظيمي.
فهل تستطيع الحركة أن تنتقل من استقطاب الأفراد إلى احتضان الطاقات..؟ ومن تنمية العضوية إلى صناعة التأثير..؟ ومن التنظيم المغلق نسبيًا إلى الشبكات المفتوحة..؟
فبعض ما طرحته الحركة نفسها في تطورها الفكري يفتح هذا الأفق، فقد أكد ذ.محمد الحمداوي في بعض محاضراته حول الروافع الفكرية، أن من المراجعات التي ميزت تجربة الحركة الانتقال من فكرة “وحدة التنظيم” إلى تصور أكثر اتساعًا لشمولية الإسلام دون شمولية التنظيم، ومن “التمكين للتنظيم” إلى “تمليك المشروع للمجتمع”، ومن اعتبار “الإصلاح مهمة تنظيمية إلى اعتباره مهمة مجتمعية”، وهذا من أهم المفاتيح التي يمكن أن تساعدنا في التفكير للمستقبل..
عبد الهادي باباخويا




