الفوز والهزيمة من خلال سورة الأنفال – عبد الواحد رزاقي

من مسلمات الاجتماع البشري التألق والبروز، والظهور والانتصار في الجانب الإيجابي، والانكماش والانحسار والضمور والفشل في الجانب السلبي. ولهذه المقامات والمراتب أسباب ذاتية وموضوعية تؤطرها قواعد وسنن كونية واجتماعية، لا تحابي أحدا ولا تجامل فئة من الفئات أو تجمعا من التجمعات من أتقن هذه السنن وقارب هذه القواعد حصل على المقصود ونال كل المطلوب.

وبصفتنا مجتمعا مسلما لديه دستور رباني ودليل إلهي يؤطر حركاتنا وسكناتنا “ما فرطنا في الكتاب من شيء” الأنعام 36. فسبيلنا للفوز والنجاح اتباع تعاليمه ومقتضياته. يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الأنفال: “فَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْۖ وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّومِنِينَۖ (1)”.

في سياق اقتسام الغنائم واكتساب عروض الدنيا المخلفة من وراء الحرب والقتال، يأتي النداء الرباني بضرورة التحقق بتقوى الله ومباشرة إصلاح ذات البين، لأن فساد ذات البين هي الحالقة، ليست على شكل تسريحة شعر من آخر صيحة، ولكن حالقة للدين مُذهبة للمناعة التنظيمية مُنذرة بالبوار والدمار. ‏

عَنْ ‏ ‏أُمِّ الدَّرْدَاءِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي الدَّرْدَاءِ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏ “‏أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ قَالُوا بَلَى قَالَ صَلَاحُ ‏ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ ‏ ‏فَإِنَّ فَسَادَ ‏ ‏ذَاتِ الْبَيْنِ ‏ ‏هِيَ الْحَالِقَةُ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏أَبُو عِيسَى ‏ ‏هَذَا ‏ ‏حَدِيثٌ صَحِيحٌ ‏ ‏وَيُرْوَى عَنْ ‏ ‏النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ ‏هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ” الحديث 2509 سنن الترمذي. ‏

حينما يؤتى التنظيم أو التجمع من قبل التنازع والخصومة ولعبة شد الحبل، وانتشار سوء الظن والمناجاة أو ما يسمى بالمصطلح الحديث “الكولسة”، وترتيب الأمور خارج القواعد المتعارف عليها والقوانين المنظمة فأبشر بانحلال عقد الهيئة وانصرام خيطها الناظم. وبالتبع لم يبق هناك دين عند هؤلاء ولو ادعوه، وبالتالي الفشل والتراجع والضمور بعد التوهج حينما كانت النيات صادقة والأهداف واضحة لا مطامع فيها ولا مصالح دنيا. “فَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْۖ وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّومِنِينَۖ (1)”.

وكأني بالآية الكريمة تقول من لم يصلح ذات بينه فليس بمطيع لله ورسوله، وادعاؤه أنه من المؤمنين باطل لا يصمد أمام المشاحنات وتعميق الحفر بين الإخوة، ولا يفيد قولك:” من ذهب فليس مأسوفا عليه” فقد تكون أنت من نفره وأغضبه بسوء تصرف أو قبح تعامل.

وقولك “أرض الله واسعة” تبرئ به نفسك وتصبغها بالعصمة والسداد، وتتهم غيرك وتصفه بالخبل وخفة العقل دون أن تشعر. ولو كانت كل التنظيمات تفعل بأهلها هذا الصنيع لما اجتمع شمل الأمة ولانفرط عقدها وذهبت ريحها. يقول الله تعالى في السورة ذاتها الآية 47:” وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْۖ وَاصْبِرُوٓاْۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ مَعَ اَ۬لصَّٰبِرِينَۖ”

نتيجة التنازع الحتمية هي الفشل وحرف الفاء يفيد السرعة والتتابع، فقبل أن تتهم الهيئة الخصم الخارجي المتآمر الذي يكيد لها بالليل والنهار، عليها أن تنكب على نفسها وتشملها بالرعاية والعناية ولملمة جراحها وإصلاح بيتها الداخلي الذي اهتزت أركانه ونسي أهدافه المرجعية، وابتلي بالاهتمام بسفاسف الأمور وصغارها.

ويردف المولى تعالى بالاعتصام بالصبر، لأن النفوس ليست على قلب رجل واحد بل لا بد من الاختلاف وتباين وجهات النظر. ولأن الصبر هو المرهم والمادة اللزجة التي تمنع الاحتكاك المباشر، ويدعو إلى التجاهل والتغافل لتصفو الخواطر وتهدأ الأعصاب المضطربة ويتم تغليب المصلحة العامة وتجاوز المصالح الضيقة. ثم إن الصابر المحتسب يبشره ربه بأنه معه ومن كان الله معه فلن يصله سوء ولن يضره شيء على وجه البسيطة، وبالتالي تبقى المجموعة متماسكة متراصة الصفوف لا يضيرها كيد الكائدين.

وليعلم الأفراد والهيئات، أن امتحان التصفية وصدق الادعاء والثبات على المواقف والاعتصام بالمبادئ ليس نزهة في بستان، أو طريقا مفروشا بالورود بل لا بد من التمحيص والاختبار ليميز الله الخبيث من الطيب. وذلك مصداقا ذلك قوله عز وجل في السورة ذاتها:”   لِيَمِيزَ اَ۬للَّهُ اُ۬لْخَبِيثَ مِنَ اَ۬لطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ اَ۬لْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَيٰ بَعْضٖ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعاٗ فَيَجْعَلَهُۥ فِے جَهَنَّمَۖ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْخَٰسِرُونَۖ (37)، ” ذَٰلِكَ بِأَنَّ اَ۬للَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراٗ نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَيٰ قَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞۖ (54)، إن التغيير لا يأتي من الخارج بل مصدره الداخل والذات التي تحركها الإرادة وتنشطها العزيمة.

إن الكثير من مدبري الشأن العام أو مؤطريه غالبا ما يلقون باللائمة على الآخرين، ويعلقون فشلهم عليهم ونادرا ما ينظرون في عيوبهم وسقطاتهم، فيراجعوا أنفسهم حتى يصلحوا ما علق بأنفسهم من شوائب وأدران.  قال الباري تعالى:”   أوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٞ قَدَ اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُۥٓ أَنّ۪يٰ هَٰذَاۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَلَيٰ كُلِّ شَےْءٖ قَدِيرٞۖ “آل عمران(165).

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى