مقالات رأي

الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية – نورالدين قربال

من خلال المجلس الوزاري المنعقد يوم الخميس 9 أبريل الذي يترأسه جلالة الملك، طرحت مقاربة جديدة من أجل تنزيل البرامج التنموية المندمجة، وكلمة مندمجة تفيد دخول الشيء في الشيء باستحكام، مع إزالة الحواجز، فيحصل التوافق والتكيف والانسجام، والالتحام والالتئام بذلك يمكن التحدث عن تحقيق المصلحة العامة في إطار الاستقلالية.

إن هذه المقاربة الجديدة، تنطلق من تحديد الحاجيات المحلية من خلال تشخيص دقيق ترابي، حتى تتضح المنهجية من أجل تحسين ظروف عيش المواطنين وصون كرامتهم. لأن التصريف العلمي يحتم وضع سياسيات ترابية التي تتطلب الرفع من جاذبية المجالات الترابية وتحفيز نسبة النمو الاقتصادي المنعكس حتما على القطاع الاجتماعي خاصة الصحة، والتشغيل، والتعليم، والسكن.

بعد هذه العملية اعتمدت المقاربة الجديدة على تحديد نقط القوة والضعف فيما يخص ولوج الساكنة إلى الشغل والتعليم والصحة والماء وبرامج التأهيل الترابي. من ثم خصص غلاف مالي إجمالي على مدى ثماني سنوات يناهز 210 مليار درهم.

إن هذه المقاربة تسعى إلى تجاوز الأعطاب التنموية السابقة باستحضار التراب وكل الفاعلين فيه: سلطات عمومية ومؤسسات منتخبة، وقطاع خاص، ومجتمع مدني. لذلك سيخضع هذا المخطط لثلاثة مقومات: اعتماد قواعد الحكامة الجيدة، حسن تنفيذ مضامين المخطط واستمرارية تقييم مدى تطبيق البرامج وتحقيق المبتغى منها، ثم التواصل الدائم مع كل الفاعلين من أجل التتبع والتفاعل.

من أجل إحداث الخيط الناظم من أدنى مستوى إلى أعلاه، رسمت هيكلة يدمج فيها الجميع من أجل تحقيق التنمية المندمجة. فعلى المستوى المحلي تتشكل لجنة تقوم بإعداد البرنامج وطرق التنفيذ والتتبع يترأسها العامل بحضور المنتخبين، وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة، والتشاور مع المواطنات والمواطنين، بهدف تثمين مؤهلات الفضاءات الترابية المستهدفة. كما ستتأسس لجنة جهوية يترأسها الوالي التي تجمع كل البرامج المحالة عليها من العمالات والأقاليم، بهدف إحداث التنسيق بينها وجعلها مندمجة، ومنسجمة بدون ضرر ولا ضرر. كما سيتم التنسيق العام وتعبئة التحويلات اللازمة، من خلال لجنة وطنية يترأسها رئيس الحكومة، من أجل المصادقة على البرامج، وضمان طابعها المندمج والتشاوري، ووضع مؤشرات للتتبع والتقييم لقياس مدى آثار المشاريع.

من أجل تحقيق ما ذكر ستتأسس شركات مساهمة تعوض الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع المحدثة، مركزين على الحكامة والرقابة العمومية، ومرونة التدبير، ونجاعة الأداء المستمدة من القطاع الخاص. وستخضع البرامج إلى تدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشية العامة للمالية على مستوى قياس مستوى الأداء واحترام مساطر التنفيذ. كما سيتم التواصل عبر منصة رقمية خاصة بالمواطنات والمواطنين، والفاعلين المؤسساتيين، لتتبع البرمجة وتقدم الأشغال، وتنفيذ المشاريع، بشفافية وانتظام. بالمناسبة سيغير ويتمم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

إن الرؤية الملكية تهدف إلى مصالحة بين اللامركزية واللاتمركز الإداري، بين المنتخب والمعين، من أجل إرساء جهوية متقدمة قوية ومنتجة، ومواجهة تحديات التنمية ومعالجة أوجه النمو غير المكافئ والتفاوتات المجالية. مع إرساء إطار قانوني ومؤسساتي كفيل بضمان التنزيل الأمثل الفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة عبر المحاور التالية: ضبط آليات التنفيذ، وضع شركات مساهمة، وتوفير متطلبات الحكاة والرقابة العمومية، وتحقيق مرونة في التدبير، ونجاعة الأداء، وجودة الإنجاز وتسريع وتيرة التنفيذ وغيرها من المقتضيات التشريعية والتنظيمية المواكبة للجيل الجديد من البرامج التنموية الترابية. مع إخضاعها لتدقيق سنوي مشترك بين المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية على مستوى قياس الأداء واحترام مساطير التنفيذ.

لقد اعتبر جلالة الملك النقص الحاصل في البنيات التحتية والمرافق الأساسية، والفقر والهشاشة خاصة في العالم القروي، “لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية.” “فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”. إنها تنمية مجالية مندمجة دون تمييز أو إقصاء. “مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين”.

إذن بعد هذا الرهان الملكي على بناء مغرب يسير بسرعة واحدة فهل سينجح الفاعلون بمختلف أنواعهم في تحقيق ما سطر أم أن دار لقمان ستبقى على حالها؟ هل يتوفر الفاعلون على إرادة التغيير والقابلية للإنجاز؟ هل سيخضع الجميع للاختيار الديمقراطي الثابت الرابع من ثوابت الأمة المغربية الجامعة؟ هل سيؤسس الأطراف جميعا قواعد للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أتمنى أن نتصالح مع الراهن التنموي بدل أن نخطئ مرة أخرى مع التاريخ؟

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى