الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

خطبة "أهم مضامين خطبة الوداع والدروس المستفادة منها"

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:

جاءت خطبة الجمعة هذا الأسبوع لتتحدث عن “أَهَمِّ مَضَامِينِ خُطْبَةِ الْوَدَاعِ وَالدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْهَا” كما وعدت بذلك الخطبة الماضية. ويمكن تناول الموضوع وفق المحاور التالية:

المحور الأول: إغفال واجب الوقت وهو الحديث عن العشر والأضحية:

  • فضل عشر ذي الحجة:

  لم تتناول الخطبة فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، إلا فقرة في آخر الخطبة ورد فيها: ” ألا فاحرصوا، عباد الله، على فعل الخير في هذه الأيام العشر، وأكثروا فيها من الصلاة والسلام على نبي الهدى”. ولقد دأب خطباء الجمعة ووعاظ المساجد على العناية بالعشر الأولى من ذي الحجة، وتناول فضائلها المتعددة، والوقوف بصفة خاصة مع الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن أيام العملُ الصَّالِحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العَشْرِ، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجِهادُ؟ قال: ولا الجِهادُ، إلا رجل خَرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومَاله، فلم يرجع بشيء ».

ولا ندري سبب إغفال واضع الخطبة لهذا الموضوع، وهل يعود ذلك كما علق بعض الظرفاء إلى أن الحديث أعلاه تضمن إبراز قيمة الجهاد في سبيل الله تعالى؟، ثم إن بلدنا المغرب لم يتحرر من الاحتلال الفرنسي والاسباني إلا بالجهاد والمقاومة المسلحة، وفتاوى العلماء في وجوب الجهاد ضد المحتل محفوظة، وكان بإمكان الخطبة أن تشير إلى أن للجهاد صورا متعددة من أبرزها جهاد المال والكلمة والنصيحة القاصدة، وأن الجهاد القتالي لا يكون إلا بإذن الإمام.  وبهذا  يُحصن الشباب من المعاني المشوهة للجهاد في سبيل الله والتي تختزله بعض الجماعات المتطرفة في أعمال العنف.

  • صلاة العيد وأضحيته

ومن جهة أخرى كان منتظرا أن تتحدث الخطبة عن عيد الأضحى وأحكامه ومقاصده وعن صلاة العيد وآدابها، وبيان موقف السادة المالكية من حكم الأضحية وأنها سنة وليست بواجب ؛ روى مالك عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ” كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعدُ فصارت مباهاة”. وتوجيه المغاربة إلى تجنب المباهاة وتكليف النفس ما لا تطيق وإغراق النفس في الديون وربما المحرمة.  وقد  يأتي تناول ذلك في خطبة عيد الأضحى كما حدث في أعياد سابقة، فيكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وهو لا يجوز أو على الأقل تقل فائدته .

المحور الثاني: وقفات مع وصايا خطبة حجة الوداع

   وقفت الخطبة عند ست وصايا من خطبة حجة الوداع[1]، ومعلوم أن للنبي صلى اله عليه وسلم ثلاث خطب في حجة الوداع؛ الأولى في يوم عرفة والثانية في يوم النحر والثالثة في أوسط أيام التشريق. وتضمنت خطبه وصايا نافعة للأمة تحتاج كل واحدة منها إلى أن تخصص لها خطبة على حدة بل خطب، وهو ما يمكن تداركه في خطب لاحقة، لكن من جهة أخرى نرى أن عدم ربط الوصايا بواقع الناس يفقدها التأثير المطلوب، ومن صور ذلك:

1- الوصية بالتوحيد وملازمته مهمة لكن غاب فيها الحديث عن بعض الممارسات التي تنافي التوحيد ويقع فيها البعض مثل:

– ظاهرة التبرك بالقبور والأضرحة ودعاء الأموات أو الاستغاثة بهم لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أو طلب الشفاء والولد. اعتقادا منهم أن لهم تصرفاً  في الكون أو قدرة على النفع والضر من دون الله.

– ظاهرة الذبح والنذر تقرباً لغير الله عز وجل، أو لأصحاب الأضرحة، سواء بقصد التبرك أو لدفع البلاء، وهو عمل محرم ومنافٍ للتوحيد.

– مظاهر السحر والشعوذة وذلك بالاستعانة بالجن والشياطين وأعمال السحر للضر أو النفع.

2- وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالكرامة الإنسانية لكل الناس، و تقريرها وحدة الأصل الإنساني، ونفي كل أشكال التمييز….. وما تزال الإنسانية تعاني أشكال التمييز العنصري على أسس متعددة”.

إذا نظرنا إلى أبرز الأسس التي يرتكز عليها التمييز العنصري، من مثل: تفوق العرق والنسب، وتفوق الأصل القومي، وتفوق المعتقد والدين، فإن خير مثال يصدق عليه هذا الوصف في وقتنا الحاضر هو الكيان الصهيوني المجرم. وليس ذلك خاصا بما فعلوه بأهل فلسطين احتلالا للأرض وتشريدا لأهلها وقتلا وفتكا بالأنفس البريئة ولا زالوا، بل تلك  نَظْرتهم  لغَيرِهِم مِنَ الأُمَمِ، وهي نَظْرَةٌ دونيةٌ يَرَونَ أَنَّ بَاقِي الأُمَمِ إِنَّمَا خُلِقَتْ لِخدْمَتِهِم، وأنهم لَيْسَ عَلَيْهِم سَبِيلٌ فِي استباحةِ دماءِ غَيرِ الْيَهُودِ وأَكْلِ أَمْوَالِهم. وصدق الله فيهم بقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

3- وصية مخالفة الشيطان:” أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ.” وهي وصية بليغة تعكس الحاجة إلى الوعي بالصراع الأبدي  مع الشيطان الذي يسعى أن يُلقي الإنسان في النار ويحرمه من الجنة كما حُرِمَ هو منها؛ قال تعالى: { إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنَ اَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ } (فاطر:6). وكان ينتظر من الخطبة  الإشارة ولو باقتضاب إلى بعض أساليبه ومداخله حتى يكون المرْء على بينة منها، وللإفادة فقد ذكرها بتفصيل ابن القيم في كتابه” إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان.”

4- الوصية بحرمة الدماء والأعراض والأموال: كان الثأرُ عادةً جاهليةً تمزقُ النسيجَ المجتمعيَّ، ثم جاء الإسلامُ عاصمًا للدماء، جاعلًا إقامةَ القصاصِ حقًّا حصريًّا لوليِّ الأمرِ(الدولة ومؤسساتها القضائية)، ؛ درءًا للفتنة، ونَبَذ للعصبية واحتكاما للشرعِ والقانون. والآن بحمد الله لم يعد الثأر في مجتمعنا وإن بقيت بعض صوره المحدودة.

 أما الخوض في الأعراض والأموال فهما من طوام هذا العصر، ومما يتخوض الناس فيه طولا وعرضا من غير حسيب ولا رقيب،  وهو ما كان يمكن التحذير من بعض صوره خاصة في الفضاء الرقمي، ونأمل العودة إليه في الخطب والدروس و المواعظ المقبلة.

وأيضاً فإن الخوض في الأموال بغير حق موضوع يطرح نفسه بحدة في زماننا، سواء كان في الأموال الخاصة  للناس أو الأموال العامة، وهو الأخطر شرعا، لتعلق ذمم كثيرة به، فكان حريا بالخطبة أن تشير إلى نماذج من الاعتداء على المال الخاص بالسرقة أو النصب والاحتيال أو أخذها بالباطل،  وكذلك التخوض في المال العام لمؤسسات الدولة ومال الجماعات. وهو ما يعيد طرح سؤال أساسي محوره الأنسان؛  كيف تسند المسؤوليات؟  ولمن؟ وما هي ضوابط الاختيار أو التعيين؟ وما هي ضمانات المراقبة والمحاسبة للدولة أو للمجتمع المدني؟

5- التوصية بالنساء وأداء الحقوق المتبادلة بين الزوجين، وحضور شأن الأسرة في هذا الخطاب التاريخي للنبي ﷺ. وهو أمر يحتاج إلى خطب كثيرة، مع ما يعرفه واقع الأسرة المغربية من تحديات كثيرة، وذلك انطلاقا من تقارير النيابة العامة أو غيرها من  تنامي ظاهرة الطلاق خصوصا طلاق الشقاق، وتأخر سن الزواج وعزوف الشباب عن الزواج.

6- وصيته ﷺ بأداء الأمانة وترك الربا. ومما جاء فيها:والأمانة معاشر المؤمنين؛ شاملة لكل ما يتصرف فيه المسلم مما لله تعالى من حق العبادات، وللناس من حسن المعاملات، وما أسند إليه من أمور الناس تسييرا وتدبيرا.” وهذه الفقرة من الخطبة على أهميتها تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح. فخيانة الأمانة تبدأ ب:

– إسنادها إلى من لا يستحقها، إما محسوبية أو زبونية أو رشوة، جاء في الحديث:  إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتَظِرِ السَّاعةَ، قال: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللهِ؟ قال: إذا وُسِّدَ  الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتَظِرِ السَّاعةَ. صحيح البخاري.

– عدم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

– عدم التصريح بالممتلكات. من أين لك هذا؟

أما الدعوة إلى  “ترك الربا” في الوصية النبوية  فلا يجوز أن يمر عليه مرور الكرام، وقد ابتلي الناس به، وكثير من الناس يلجؤون إلى القروض  الاستهلاكية الربوية لأمور كمالية، مما جعل الأسر المغربية تغرق في ديون الاستهلاك، وفي سابقة خطيرة  أجاز أحد مسؤولي المجالس العلمية اقتناء أضحية العيد بقرض ربوي، فكيف يُتقرب إلى الله بما حرم الله  في قربة حكمها أنها سنة مؤكدة؟

7- الوصية بالكتاب والسنة واتباع الرسول ﷺ، والحرص على تبليغ شريعته.

     فيما يخص الوصية النبوية بالتبليغ والدعوة إلى الله جاء في الخطبة الموحدة: “وفي هذه الوصية تحميل مسؤولية التبليغ للعلماء.”؛ والحقيقة  الشرعية المعلومة أن التبليغ ليس خاصا بالعلماء وإن كانوا هم أول من يطالب به مصداقا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَالبقرة: 159].  بل هو عام لكل مسلم علم شيئا من الدين يجب عليه أن يبلغه، فكيف تُقصر مهمة التبليغ  عليهم؟ ،وقد صَدَّر النبي صلى الله عليه وسلم وصيته ب:” أَيُّهَا النَّاسُ” وقال :  “بلِّغوا عنِّي ولو آيةً” صحيح البخاري.

والحمد لله رب العالمين

[1] – خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، دراسة حديثية تحليلية، د. صالح عومار. خطبة حجة الوداع للدكتور محمد عبدالغني. خطب ومواعظ من حجة الوداع. د. عبد الرزاق البدر. الوصية النبوية للأمة الإسلامية في حجة الوداع، د. فاروق حمادة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى