الإصلاح يصنع شروطه: في نقد أيديولوجيا الانتظار – مصعب شرعي

منذ عقود طويلة يشكل سؤال الإصلاح والتغيير أحد أكثر الأسئلة حضورا في النقاش السياسي المغربي. ولم يكن الخلاف في الغالب حول ضرورة الإصلاح أو مشروعيته، بقدر ما كان خلافا حول الطريق المؤدي إليه. فبينما راهنت اتجاهات مختلفة على العمل من داخل المؤسسات القائمة وتوسيع هوامش التأثير المتاحة، ظلت أطياف أخرى تنظر بعين الريبة إلى هذا الخيار، معتبرة أن الانخراط في المؤسسات لن يفضي إلا إلى الاحتواء والتدجين وإعادة إنتاج الوضع القائم، وأن أي إصلاح حقيقي يقتضي انتظار تحولات أعمق تفرض نفسها على البنية السياسية من الخارج أو تدفعها إلى التراجع تحت ضغط الاستنزاف والتناقضات المتراكمة.
ورغم اختلاف المرجعيات الفكرية والسياسية التي تبنت هذا التصور، فإنها تلتقي عند فرضية واحدة مفادها أن شروط الإصلاح ليست متوفرة بعد، وأن الاشتغال السياسي في ظل واقع مختل لا يفضي إلا إلى استهلاك الطاقات وتآكل الرصيد الرمزي للقوى الإصلاحية. ومن هنا برز ما يمكن تسميته بـ”وهم انتظار الشروط”، أي الاعتقاد بأن السياسة لا تصبح ذات جدوى إلا بعد نضج ظروف معينة تضمن قدرا كافيا من النزاهة والتنافس والقدرة على التأثير.
غير أن هذا التصور ينطوي على مفارقة عميقة. فهو يفترض أن السياسة لا تمارس إلا بعد نضج الشروط، في حين أن التجربة التاريخية تكشف أن هذه الشروط نفسها لا تنشأ إلا من داخل الفعل السياسي والتدافع المجتمعي. فالديمقراطية لم تكن في أي تجربة إنسانية هبة جاهزة سبقت الممارسة السياسية، كما أن توسيع الحريات وتحسين موازين القوى لم يكن نتيجة انتظار طويل لانفراج تلقائي، بل ثمرة تراكمات متواصلة خاضتها قوى مختلفة داخل واقع معقد ومليء بالاختلالات.
ولهذا فإن تحويل اكتمال الشروط إلى شرط سابق للفعل السياسي لا يعبر عن واقعية سياسية بقدر ما يعكس فهما تبسيطيا لطبيعة السياسة ذاتها. فالسياسة ليست مجالا يدخل إليه الفاعلون بعد اكتمال الظروف المناسبة، بل هي المجال الذي تصنع فيه هذه الظروف أصلا. ومن داخلها تتشكل موازين القوى، وتتوسع الهوامش، وتبنى الخبرات، وتتراكم القدرات التنظيمية والبشرية والمعرفية التي تجعل أي تحول مستقبلي ممكنا.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في السياق المغربي، لأنه ليس نقاشا طارئا فرضته تحولات السنوات الأخيرة، بل هو امتداد لسجال قديم بين من يراهنون على الإصلاح التراكمي من داخل المؤسسات ومن يعتبرون أن المؤسسة نفسها جزء من المشكلة، وأن الانخراط فيها لا يؤدي إلا إلى ترويض الفاعل الإصلاحي واحتوائه. غير أن هذا الطرح، على ما يبدو فيه من راديكالية نقدية، ينتهي في كثير من الأحيان إلى نوع من الحتمية السياسية التي تفترض أن الواقع قادر دائما على ابتلاع الفاعل، وأن الفاعل عاجز بطبيعته عن التأثير في الواقع أو تعديله.
والحال أن هذا الاختزال يفصل بين الوسيلة والغاية، ويجعل مجرد الانخراط في المؤسسات مرادفا للتخلي عن المشروع الإصلاحي. بينما التجارب الإنسانية تكشف أن العلاقة بين الفاعلين والبنى السياسية ليست علاقة استسلام مطلق أو سيطرة مطلقة، بل علاقة تدافع وتأثير متبادل، قد تنجح فيها السلطة أحيانا في الاحتواء، وقد ينجح فيها الفاعلون أحيانا أخرى في توسيع الهوامش وفرض إصلاحات أو منع تراجعات أو الحفاظ على توازنات معينة.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين منطق الإصلاح ومنطق الانتظار. فالإصلاح يفترض أن التغيير عملية تراكمية طويلة النفس، تتحقق عبر خطوات متدرجة داخل الواقع القائم رغم محدوديته. أما الانتظار فيفترض أن التحول الحقيقي لا يبدأ إلا بعد وصول النظام إلى مرحلة من الاستنزاف أو الانسداد أو التراجع تفرض تغييرا جوهريا. وبينما ينشغل الإصلاح ببناء شروط التغيير، يراهن الانتظار على حدوثها بصورة مستقلة عن فعله.
وتكمن خطورة هذا التصور في أنه لا يقدم معيارا واضحا للحظة التي تصبح فيها الشروط ناضجة بما يكفي للعودة إلى السياسة. فكلما تأخر التغيير أمكن القول إن الشروط لم تنضج بعد، وكلما اشتدت الاختلالات أمكن اعتبارها دليلا إضافيا على صحة خيار الانتظار. وهكذا يتحول الانتظار من تقدير مرحلي إلى عقيدة سياسية دائمة، بلا أفق زمني واضح وبلا آليات عملية لإنتاج التحول المنشود.
ولا يقف أثر ذلك عند تعطيل الفعل السياسي، بل يمتد إلى إضعاف الأهلية السياسية ذاتها. فالخبرة لا تتكون خارج الممارسة، والقدرة على التأثير لا تنشأ خارج ساحات التدافع، والكفاءات القيادية لا تصنع في الفراغ. ومن يختار الانسحاب الطويل من المجال السياسي بدعوى عدم نضج الشروط قد يجد نفسه، عند أي لحظة انفراج محتملة، أقل استعدادا للفعل من أولئك الذين راكموا الخبرة والمعرفة والعلاقات والقدرة التنظيمية داخل الممكن المتاح.
ومن منظور سنني، تبدو هذه الرؤية أكثر إشكالا. فالقرآن الكريم يربط التغيير بالفعل والأخذ بالأسباب والتدافع، لا بانتظار اكتمال الظروف. والتاريخ بدوره لا يقدم لنا أمثلة كثيرة عن أنظمة تخلت طوعا عن مواقعها أو أعادت توزيع السلطة والثروة من تلقاء نفسها. فالسلطة لا تتنازل قبل أن تنازع، وموازين القوى لا يعاد تشكيلها من خارج المجال الذي تدار فيه، والوعي المجتمعي لا ينضج بمعزل عن الصراع السياسي والثقافي والاجتماعي.
لذلك فإن المفاضلة الحقيقية ليست بين إصلاح مثالي وإصلاح ناقص، ولا بين واقع فاسد وواقع نقي، بل بين مشروع يشتبك مع الواقع ويسعى إلى تحسينه وتوسيع هوامشه بالتدرج والتراكم، ومشروع آخر يعلق رهانه على تحولات مؤجلة لا يملك أدوات صناعتها. وفي هذا المعنى لا يصبح الانتظار مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل يتحول إلى عائق بنيوي أمام الإصلاح، لأنه ينقل الفاعل من موقع صناعة الشروط إلى موقع انتظارها.
إن السياسة، في نهاية المطاف، ليست ثمرة نضج الشروط، بل إحدى أهم الأدوات التي تصنع هذا النضج. ولذلك فإن الإصلاح الذي يختار التدافع داخل الواقع، رغم صعوبته وكلفته ومحدودية نتائجه أحيانا، يظل أقرب إلى منطق التاريخ والسنن من ذلك الإصلاح الذي يعلق آماله على استنزاف النظام القائم أو انتظار لحظة مثالية قد لا تأتي أبدا.





