أَلحِق نفسك برَكْب الأوفياء  – رشيدة المنصوري

حثَّ القرآنُ الكريم والسنة النبوية على الوفاء بالعقود والعهود، قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [ سورة المائدة: 1]، ووعد الله الموفين بعهودهم بالجزاء العظيم فقال سبحانه: (…وَمَنَ اَوْف۪يٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهِ اِ۬للَّهَ فَسَنُوتِيهِ أَجْراً عَظِيماٗۖ  ) [ سورة الفتح: 10]. 

والوفاء من أخلاق الأنبياء الكرام، فهذا سيدنا إبراهيم عليه السلام قال عنه ربُه 🙁 وَإِبْرَٰهِيمَ اَ۬لذِے وَفّ۪يٰٓ) [ سورة النجم: 37]، وقال سبحانه عن إسماعيل عليه السلام: (.. إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ اَ۬لْوَعْدِ…) [سورة مريم: 54]، والمصطفى صلى الله عليه وسلم سيد الأوفياء والمتخلق بالقرآن يقول: ” إن خيار عباد الله الموفون المطيبون” رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وذكر الله من بين أسباب فلاح المؤمنين: (وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ) [سورة المؤمنون: 8]. فاستوجبوا بذلك (اَ۬لذِينَ يَرِثُونَ اَ۬لْفِرْدَوْسَۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَۖ) [سورة المؤمنون: 10-11.].

ووفاءُ الحبيب صلى الله عليه وسلم، تعددت مجالاته وتنوعت مظاهره حتى شمِل العدو والصديق والإنسان والحيوان بل حتى الجماد، روى ابن ماجة عن ابن عباس وأنس: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر، ذهب إلى المنبر، فحن الجذع، فأتاه، فاحتضنه، فسكن. فقال: “لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة “صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.

وعدَّ صلى الله عليه وسلم نقض العهد وإخلاف الوعد من علامات المنافقين، حيث قال: ” آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ” رواه البخاري ومسلم.

إن الوفاء بالعهود يُقرب المسافات، ويعالج الخلاف، ويدعم الثقة بين الأفراد، فتزداد الألفة، ويعم الخير، وتمتن رابطة الأخوة، وما أحوجنا لذلك في هذا الزمان.

“وما المـــرء إلا بإخوانــــه          كما تقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعة         ولا خير في الساعد الأجذم”

ولا شك أن الأجر يكون على قدر المشقة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها:” أجرك على قدر نصبك ” البخاري ومسلم. قال الأصمعي: سأل رجل أبا عمرو بن العلاء – إمام أهل البصرة في القراءة والنحو – حاجة فوعده بها، ثم إن الحاجة تعذرت على أبي عمرو، فلقيه الرجل بعد ذلك فقال له: يا أبا عمرو وعدتني وعدا فلم تنجزه، فقال له أبو عمرو: فمن أولى بالغم أنا أو أنت؟ فقال الرجل: أنا، فقال أبو عمرو: بل أنا، فقال له الرجل وكيف ذلك أصلحك الله؟ قال لأني وعدتك وعدا فأبت بفرح الوعد وأبت أنا بهم الإنجاز، وبت ليلتك فرحا مسرورا وبت مفكرا مغموما، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة، فلقيتني  مدلا ( قال ابوعمرو المدل بفتح الميم للخسيس من الرجال) ولقيتك محتشما، فمن هنا صرت أولى بالغم.

فلنلتحق بركب الأوفياء بالعهد مع الله تعالى، مع رسوله صلى الله عليه وسلم، ومع الآخرين الأقرب فالأقرب، ولا ننسى أصحاب الفضل علينا ومن أحسنَ إلينا من أساتذتنا ومشايخنا، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما بِتُ  منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له.

ربنا توفنا مسلمين ربنا اجعل لنا لسان صدق في الآخرين واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين ربنا ألحقنا بالصالحين.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى