مقالات رأي

موجة الطلاق – نور الدين فكري

تطرق كلمة طلاق طبلة  الاذن كصوت مزعج، كونها كلمة توحي بالفراق والشقاق والإختلاف والخلاف والشتات والضياع , مع تركيز السامع على مساوئ الكلمة بما تحمله من معاني أليمة دون التفات من السامع لأي أمل يمكن ان يضيء من وراء طلوعها.

هذه الكلمة يتعامل معها رجل القانون تعاملا مختلفا باختلاف زاوية وقوفه كونه  متدخلا خارجا عن دائرة الأطراف، ينظر اليها من زاوية المظلومية احيانا في جانب من يوكله، وينظر اليها من زاوية الاختلاف وسوء الفهم حين يسمع للطرفين معا، وينظر اليها من زاوية المشفق حين يعلم بوجود ابناء، وينظر اليها يعين المتحسر حين يعلم بمرور عقود على قيام علاقة أفضى فيها الاطراف الى بعضهم نفسا وحسا وجسدا وفكرا يفرقه سوء فهم او طيش حل بآخر العمر .

نظرة المحامي قد تختلف عن نظرة القاضي الذي يعالج قضية الطلاق كنازلة امامه، تختلف خريطته الذهنية حين يعالجها عن تلك المرسومة في ذهن الاطراف المتنازعين، الاختلاف يؤثر فيه عدد القضايا التي تدخل مكتبه من غير اذن تتراكم في الجلسات  وتتعاظم يوما عن يوم تحت سيف الوقت المخصص لكل جلسة تذهب ريحه ما ان يحاول توحيد الخريطة مع الاطراف والوقوف على فهم المشكل.

حين نتحدث عن الخريطة الذهنية والتصور الفردي نتحدث عن مكمن الداء، فللإطراف خريطة عن النزاع وتصور عن الطرف الاخر، كما للقاضي خريطة مختلفة ليست بالضرورة تلك التي رسمت في ذهن الاطراف، يحتاج الامر جهدا مضنيا لتقريب الصورة، فكلما اقتربت الصورة اقترب الحل وكلما تباعدت الصورة تباعد الحل

قدم الى مكتبي صديق غاب عن ناظري مدة من الزمن اثر على شكله وحجمه يناشدني لتقديم مساعدة غريبة لارتباطها بإنهاء علاقته الزوجية، يعني بها الطلاق من زوجته التي انجب منها ولدين، لم أتوان منذ الوهلة الأاولى وكما هي عادتي ان ابحث في السبب مع الحفاظ على السر المهني لاقترب من خريطته وتصوره للنزاع، بل وتجاوزت الامر واستأذنته لأسمع من الطرف الاخر، علمت بعدها تراكما نفسيا كبيرا على صفيح ساخن , كل يراه من زاويته، رسم له خريطة وتصورا يجعل قفص الاتهام محيطا بكليهما، لم يتواضع اي منهما لتحمل جزء منه، يحتاجان معا الى جلسات استماع سريرية من لدن متخصص نفسي يقف على مكمن الداء .

وجدت نفسي في مأزق لمعرفتي بالطرفين معا ولرغبتي الكبيرة في عدم فك رباط زوجيتهما، للخروج منه ادخلت اطرافا مؤثرة في كليهما , أثمرت الجهود واجتمع الطرفان معا، واحتاج الامر الى تقريب وجهات النظر وتلطيف الحوار وإعادة رسم الخريطة في الأذهان والوقوف عند الخطا والمصارحة به.

وسائل بسيطة ما كان لتنجح لولا توفيق الله وإرادة الطرفين معا للصلح والثقة في الطرف الثالث بينهما.

استمر حال الاجتماع بينهما فترة وعاودا معا زيارة مكتبي زيارة مختلفة لكونهما عزما معا هذه المرة على الطلاق، تذكرت في حينه قول الله تعالى ” إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ” فلما رفعت الرغبة رفع التوفيق، وبعد محاولات للتوفيق دون ياس عرضت القضية رسميا على المحكمة لتبث بعد جلسات في انهاء علاقتهما وتدبير شؤون الأبناء.

الطلاق محزن وارتفاع حالاته محزن، والوقوف على الظاهرة بعين الرشيد يتطلب من الجميع الإنخراط في تاهيل اسرنا التي تئن في صمت وصمت رهيب لا يعبر عنه انفجار حالات العنف بين الأزواج اكثر مما تعبر عنه الأرقام والإجصاءت الرسمية .

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق