مقالات رأي

لماذا نخاف من النقد الذاتي …؟! – بنداود رضواني

قال الشيطان: ( رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى )….،

و أما آدم وزوجه فقالا: ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ).

فما أعظم الفرق بين قال..، وقالا…!!!!

يقال في المجاملة: المصانعة…، وفي أكثر الأحيان يراد باللفظتين مسايرة عمرو لزيد في كلامه، أو الموافقة على أفعاله دون النظر والتدقيق فيهما، وإن احتويا تغييرا للحقائق وترويجا للأباطيل…، هذه الممارسة يهيمن عليها أحد أمرين، أو هما معا: ضعف شخصية عمرو، أو مصانعته لزيد رغبة في المنفعة، واستجداء للمصلحة.

وغالبية الناس متواطؤون على استقباح هذه الممارسة والتشنيع على أصحابها، لكن قَلَّ فيهم من يعيب مجاملة الذات ويستهجن مصانعتها ومتابعتها وإن ساخت في المخازي والرذائل، وغاصت في القبائح والمثالب…

ولإعمال النظر في الذات نقدا وسبرا، و الاهتمام بها مراجعة وفحصا …، نجد في البيان الإلهي فضاء واسعا لذلك، لأن في الناس من يدمن تعقب أخطاء الغير والتنقيب في تصرفاته في حين أن أحواله تعج بالمخالفات و تفوح بالسيئات !!!…، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: ” إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك “. رواه البخاري في الأدب المفرد. وفي المغرب مثال مشهور في هذا الباب مفاده أن:” الجمل لا يرى إلا سنام رفاقه من الإبل، في حين أن بصره كليل عن رؤية السنــام الذي يعلو ظهـــره “.

والأرجح أن غالبية المشتغلين بنقد الناس تطوقهم سيئتان: أولاهما، البطالة والفراغ، فلا شغل لهم يعمرون به يومهم، أو مصالح بناءة تستفز حركتهم، لذا لا يجدون أليق لملء أوقاتهم من الخوض في نقد الغير والترصد له… !!! وثانيهما، أن الواحد من هؤلاء لسانه أطول من ذراعه، فهو في المجالس أسرع حديثا و أمضى لسانا وأشد انتقادا…، لكنه نظير ذلك مداهن لما عليه أحواله من النقائص والمعايب.!!

والمعضلة أن ثقافة نقد الآخر لم تلبث سلوكا فرديا فحسب، بل أضحت تحكم الوعي الجمعي للمسلمين، فطريقة التداول الثقافي لنظرية المؤامرة وربط جميع الإخفاقات الحضارية للمسلمين بالآخر، يعزوهما الكثير من التدقيق والإنصاف، فسنن التغيير وقوانين العمران لا تبرئ العامل الذاتي من الأحوال التي عليها الناس البتة، فإما أن يكونوا هم سببا في بروز المشكل، أو أساسا في صناعة الحل، لأنهم – كما أكد القرآن – مبتكرو الفعل حقيقة في ساحة الأحداث والوقائع، ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، آل عمران/165. فلا حاجة إذن للإلتفات إلى الغير و تركيز الإنتباه إلى الخصوم، بل إن الإستغراق في هذا الأمر سيعزز حالة التيه الحضاري نتيجة مجاملة الذات والإنتشاء بالخيبة والتراجع.!!!

لقد قَعَّدَ القران الكريم للممارسة النقدية بصورة غير معهودة في كتب السابقين وملل الأولين، فرغم المقام الأسنى الذي تربع عليه رسول الله لم يشفع له أمام الأوامر الإلهية المضَمَّنة بالتوجيه والتصويب والتذكير حين يخالف عليه الصلاة والسلام ما هو أولى.( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )، التحريم/1.

” عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ “، عبس/ من الآية1 إلى 10. ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )،الأنفال/67.

“عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ “، التوبة/43.

ولم تشفع للصحابة رضي الله عنهم كذلك منزلة الصحبة أمام حجم ما اقترفوا في موقعة أحد من نقدهم وتقريعهم..

فإذا كانت هذه بعض من أحوال نبي الإسلام وصحبه مع هذه القيمة الحضارية الكبرى التي تعرف بنقد الذات. فلم المسلمون اليوم يخافونه …؟، لماذا يتهيبون فحص عيوبهم وكشف مكامن قصورهم وتقصيرهم…؟

الأكيد أن استفحال كثير من العلل الإجتماعية والحضارية مردها إلى الإعراض المتعمد و التغاضي المقصود عن محاسبة الذات، نتيجة الخوف المرضي من محاسبة النفس، وكذلك بسبب الاهتزاز الذي تعاني منه الثقة في النفوس.

والمأمول في علاج هذه الأدواء أن يحصل من طريقين لا غنى لأحدهما عن الآخر، الطريق الأول: يتم بإحاطة مساوئ الناس برداء الستر، وتغليف مزالقهم بثوب التغافل، والطريق الثاني: بأن يضع المسلم ذاته على طاولة التشريح القرآني للأمراض المعنوية مستمسكا بعد عون الله ومدده بمبضع النقد الذاتي دون خوف أو وجل..، ليداوي الأمراض التي تعتريه و يستأصل الأورام التي تهدد هويته “وَفِي أَنفُسِكُمْ  أَفَلَا تُبْصِرُونَ “الذاريات/21.

لقد أحال الشيطان خطأه لمصدر خارج ذاته، إذ قال: (رب بِمَآ أَغْوَيْتَنِى )، لكن آدم وزوجه كان لهما شأن آخر مع المخالفة، كانت نقدا للذات، ومحاسبة للنفس، حيث قالا: ( ربنا ظلمنا أنفسنا )، كانت مراجعة قاسية لكنها مثلت نجاحا لآدم وحواء، أما الشيطان فتبرؤه من خطئه كان سببا في فشله وهوانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق