الرئيسية-دروس ومواعظرمضان

حسن استثمار ما تبقى من رمضان

ها نحن نستعد لتوديع ضيف مبارك وغال على قلوبنا؛ لأنه أتانا بالخيرات والبركات، وعمِل على إصلاح النفوس الأمارة بالسوء، وجردها لله وحررها من أثقال الماديات، وعودَها على الأمانة والصدق في السر والعلَن.

إنه شهر رمضان الذي يشحذ هِمَم العُباد والزُّهاد بشعائر تعبدية تقوي إيمانَهم، وترفع درجاتهم، وتَسمو بأخلاقهم، وتدفعهم إلى الامتثال لأوامر الله – سبحانه وتعالى – واجتناب نواهيه؛ ليحلِّقوا في أجواء روحانية، ويتخلصوا من غبار الصفات الحيوانية، ناهيك عن أنه يورثهم الخشية، وينمي فيهم ملَكة المراقبة، ويَقِيهم من الوقوع في المآثم، ويُنجيهم من عذاب الآخرة، ويشق لهم طريقا موصلاً إلى رضوان الملك الديان، والظفر بجنته.

ها نحن على مشارف نهاية هذا الشهر الكريم، هذا الشهر الذي توالت فيه أنواع الخيرات والفضائل، فهو من أول ليلة فيه موسم عظيم للتجارة مع الله جل وعلا، وتوالت هذه الفرص للربح، الربح العظيم الذي فيه تكفير السيئات ورفعة الدرجات، والعتق من النار، وحلول أعالي الجنان، إلى غير ذلك من البركات العظيمة التي تسابق إليها المتسابقون، وفاز بها الفائزون، وربما تخلَّف عنها مَن أقعدته نفسه وهواه.

إنه شهر رمضان المبارك، الذي فرض الله صيامه حيث قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، والذي يهدف إلى تحقيق الغاية العظمى من الصيام وهي التقوى، التي تعني الخوف من الله تعالى، وطاعتَه، واجتنابَ معصيته، فضلا عن أنه يبشر برضوان الله الذي لا سخط بعده أبدا، وينير القلوب، وينعش النُفوس، وينشر الإحسان، ويفتح أبواب الجنة، ويغلق أبواب النار، ويَدْحَر الشيطان، ويحمي البدن من الكثير من الأمراض الشديدة والمنهِكة؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: (إذا جاء رمضان، فُتِّحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين)؛ أخرجه البخاريُّ ومسلم.

فليست العبرة بالإمساك عن الطعام والشراب، ولكن العبرة بتحقيق التقوى التي هي مقصد هذا الصيام وحكمته العالية؛ كما قال عز من قائل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

فالمقصد هو تحقيق التقوى، فمن سعى إليها وأرادها، فقد سعى إلى أمر عظيم، وحقق المراد منه، ومن كان على خلاف ذلك، فإنه لم يدرك حكمة الصيام ومراد الله منه.

ليلة القدر الدكتور أوس رمال

وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون رده، وهؤلاء هم الذين جاء فيهم قول الله تعالى: ﴿ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ [المؤمنون: 60]، ليس هذا سوء ظن برب العالمين، ولكن هو اتهامهم لأنفسهم، وخوفهم من أن يكون العمل قد داخله شيء مما يتسبب في رده، وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عن معنى هذه الآية الكريمة، وفهِمت فيها فهمًا معينًا: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 60]، أهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو خائف من مرجعه إلى ربه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، ويخشى ألا يقبل منه).

إن رمضان ليس المقصود منه ترك المفطرات فقط؛ بل هو شهر الصيام الذي معناه: حرمان النفس من شهواتها وأهوائها، وجَرها إلى حظيرة الإيمان والسمو الروحي، وموسم عظيم للطاعات، واكتساب الحسنات، وترك السيئات، وفرصة لترويض النفس على طاعة الله ومحاسبتها وتزكيتها، ودعوة لتصحيح النِّيات الفاسدة، والابتعاد عن الأعمال السيِّئة، ونذير لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانِي، وترك طريق الحق، وسار في طريق الضلال، فيعود إلى ربه عودة صادقة، بالاستغفار والتوبة النصوح، والندم على ما فات من زلل، قبل أن يأتي الموت، وحينئذٍ لا ينفع الندم، حتى الصالحون يتمنون لو أكثروا من العمل الصالح.

فالعبرة إذن على ما يقوم في القلوب من الإقبال على الله جل وعلا، وإرادة ما عنده، فإذا صح ما في القلب صح توجهه لله جل وعلا، وأدرك المؤمن خيرا عظيما، وفاز بربح عظيم، وأدرك فلاحا كبيرا، وإنما يكون ذلك وفق ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، وهذا يكون بقصد التوجه إلى الله جل وعلا وحُسن الظن به، والإزراء على النفس، وعدم الطمأنينة للعمل حتى يلقى الإنسان ربه جل وعلا؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].

فعلينا أن نستثمر الأيام الباقية من هذا الشهر بالاجتهاد في أنواع العبادة، من المحافظة على الصلوات المفروضة، وصلاة التطوُّع؛ كالقيام (التراويح)، وذِكْر الله تعالى؛ كالتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل، وتلاوة القرآن الكريم بالتدبر والتعقل، وطلب العلم النَّافع، والاجتهاد في بِرِّ الوالدين، والسَّخاء في الإنفاق على الفقراء والمساكين والمشاريع الخيرية، ودعاء الله تعالى، والصلاة على النبي، وإخراج زكاة الفطر في موعدها قبل صلاة العيد، والتفكر في أحوال المسلمين، والتأمل في مستقبل الإسلام… إلخ.

الإصلاح

 

 

 

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق