مقالات رأي

بين عبادة العيد وثقافة العيد – فيصل أمين البقالي

يُعْنِتُ الناس أنفسَهم إعناتا في سبيل اقتناء الأضاحي !.. لستُ فقيها ولا أصوليا لكي أحكم أو أفتي أو أوجِّه برأي في هذا المجال .. ولكن عقلي وإدراكي جميعا يصرخان عليَّ بأن في الأمر ما يُخالف التفكير السَّوي !!!..

أما من جهة الشرع، فإن الأضحية قربان لله تعالى والتضحية بها تقرب إليه سبحانه، وهي سنة مؤكدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ملة أبينا إبراهيم عليه السلام، وهي مَطْهَرَةٌ وقربى ومَرضاة للرب .. فإن فقدت هذه المعاني لأسباب ذاتية من تكلف ناتج عن العجز، أو مراءاة ناتجةعن اختلاط النية أو فسادها، أو جهل بمقاصد العبادة وروحها، صرنا إلى مهرجان لإهراق الدماء وأكل اللحوم ونفخ الشواء وكيّ الرؤوس دون الحديث عن الأوساخ والقاذورات والفوضى التي اعتدناها .. بل لقد وصل الأمر بالبعض إلى الاقتراض، وبالربا أحيانا، من أجل شراء الأضحية .. ناهيك عن أموال العمل الخيري والجهود التي تبذل ومياء الوجوه التي تراق في سبيل ذلك .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

أما من ناحية العقل (الذي ليس على الحقيقة إلا الشرع) فمع الضنك في العيش، والضيق في التسيير، وتعقيدات قوانين الطوارئ، والتوجّس والتحرز الواجبين في الظروف الحالية، وغير ذلك مما واكب الوباء وعقابيله، كل ذلك يجعل النظر في هذا الأمر أمرا ملحا في هذه السنوات أكثر من أي وقت مضى !

لقد طال السكوت عن هذا الأمر وآن أوان تجديد القول فيه وإعطاء القدوة ممن لا يستراب بدينهم حتى لا يتكلم فيه المغرضون بالباطل المغلف بالحق والعقل .. وحاشانا أن نكون فتانين ممن يعاصون أمر الله .. بل لا نَطَقَت أفواهُنا، ولا نشقت هواءً صدورُنا، ولا رأت نورا أعيُنُنا إن كنا نجحد يوما أمرَ ربِّنا .. نعوذ بالله من هذا الفعل عمدا أو جهلا .. ولكنها صرخةُ مُحْنَقٍ لما يرى مما لا يستوعِبُهُ عقلُه، ولا يقبلُه ذوقُه، مما يراه مخالفا لروح الشريعة والدين، وتضييقا على كثير من المسلمين، وابتعادا بعبادة إبراهيمية محمدية شريفة عن مقاصدها، لتصيرَ مظنة الضيق والحرج في الدين والدنيا معا .. تنتهك فيها القوانين، وترتكب باسمها الجهالات، وتترسخ في إطارها أعرافٌ ما تزال تَشِطُّ حتى تنقلِبَ إلى عكس مقصود الإسلام، والتنكب عن وصايا القرآن، وهَدْيِ النبي عليه الصلاة والسلام ..

أعلم أن ما هو اقتصادي حاكم ومحكم في هذه النازلة – وهو جدير بذلك بدون أدنى شك – ولكن هذا الكلام ليس لليوم ولكنه لغد .. إنه دعوة لذوي الأحلام والنهى من علمائنا وفقهائنا أن يستنقذوا هذه الشعيرة من إصر الأعراف المتخلفة، وينقذوا الناس من هذا الضيق ويفكروا في سبل رفع هذا الحرج ..

إن في هذا العيد كثيرا من المعاني التي تَحْيَى بها الأمة، ومن بينها الأضحية ! .. إن فيه هذه الأيام المباركات التي يجب أن تضج بالأعمال الصالحات من صيام وقيام وذكر واحتفال بحب الله ورسوله وكتابه، وفيها ذكريات الأمة انتصارات ونكبات يجب إحياؤها للذاكرة والوعي والضمير المغيَّب للأمة .. وفيها نهاية السنة الهجرية وإرهاص سنة هجرية جديدة .. وفيها الحج ويوم عرفة الذي يعلمنا النظام ونكران الذات والزهد والتخفف من الدنيا وخدمة المومنين .. فكيف يكون عيدنا مناسبة للفوضى ومظاهر التخلف والأوساخ؟ ..

إن أمتنا برغم كل ذلك وبرغم مظاهر التخلف المذكورة أمة تكافل وتراحم وخير ومحبة .. ولكنها مزايا يجب ترشيدها واستثمارها لبناء أمة غير هذه المضعضعة الضعيفة العليلة نسأل الله اللطف بها ..

والله تعالى يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. وعواشر مباركة.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق