مقالات رأي

الفجر العظيم.. إحياء للفرض وإعمار لخير مساجد الأرض – علي إبراهيم

يظل المقدسيون رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وما من فئة استطاعت عرقلة مشاريع الاحتلال وخططه لتهويد القدس مثل أهل القدس والمقاومين في فلسطين برمتها، إذ استطاعوا على الرغم من الضعف وقلة الدعم والهجمة الإسرائيلية الشرسة، أن يقفوا في وجه الاحتلال ويحبطوا مخططاته المرة تلو المرة، وشواهد ذلك كثيرة عديدة، وليس آخرها هبّتا باب الأسباط وباب الرحمة، والعمليات النوعية، التي شكلت نماذج لقدرة الجماهير الفلسطينية في القدس على انتزاع النصر من براثن الاحتلال، والتأكيد أن الدفاع عن المسجد مسؤولية جمعية لا يقوم لها – وبها- إلا الجماهير مجتمعة.

ومع اقتراب الذكرى الأولى لانتصار هبة باب الرحمة، ومحاولة الاحتلال إعادة المصلى إلى مهدافه، تارة عبر اقتحامات المستوطنين المنطقة الشرقية من الأقصى التي فيها باب الرحمة، وأدائهم الصلوات التلمودية فيها، وطورًا عبر اعتقال وإبعاد المصلين والمرابطين في هذا الجزء من الأقصى، في محاولة للالتفاف على النصر الذي تحقق في شباط/فبراير 2019، وغير ذلك من الأهداف التي تتصل بسيطرة المحتلّ على المسجد، وتدخله في إدارته وغير ذلك من تفاصيل.

وفي مواجهة هذه الحملة الإسرائيلية القديمة الجديدة على باب الرحمة، جاءت مبادرة “الفجر العظيم”، لإعادة الفعل إلى الجماهير الفلسطينية، ورفع حجم الوجود الفلسطيني في المسجد خاصة في وقت صلاة الفجر، وهي مبادرة أطلقها ناشطون ردًا على اعتداءات الاحتلال بحق المسجد الأقصى في القدس، والمسجد الإبراهيميّ في الخليل، وقد هدفت إلى إقامة صلاة حاشدة فجر يوم الجمعة، وقد بدأت لأول مرة فجر يوم الجمعة 10/1/2020، وهي مبادرة تدفع نحو المزيد من الرباط والوجود في هذين المسجدين المعرضين للاستهداف، إضافةً إلى إعادة الفعل للجماهير الفلسطينية، وحشد أكبر أعداد ممكنة من المصلين، ما يعزّز عمارة المسجد، خاصة في هذا الوقت المبكر من اليوم.

وفي ثاني أسابيع “الفجر العظيم”، وفي السويعات الأولى من فجر الجمعة 17/1/2020، وعلى الرغم من الطقس البارد، لبى آلاف الفلسطينيين دعوات الفجر التي أطلقت على مدار أسبوع، وصلى الآلاف في هذين المسجدين، وقد عمل الاحتلال على عرقلة وصول المصلين إلى الأقصى، إذ أغلق الطريق المؤدي إلى باب الأسباط، وسط انتشار أمني كثيف في أزقة البلدة القديمة، ومع هذه الإجراءات الأمنية الإسرائيلية، عمر المسجد في هذه الصلاة الآلاف من أهل القدس وسائر المناطق المحتلّة، كما كانت أعدادهم حاشدة في المسجد الإبراهيمي.

تفاجأ الاحتلال من الاستجابة الفلسطينية، فقد ذكرت وسائل إعلام عبرية، أن الاحتلال صعق بحجم الاستجابة لهذه الحملة، إذ قدرت مصادره وجود نحو 8 آلاف مصلٍ داخل المسجد الأقصى قبل الصلاة، وهو رقمٌ تضاعف مع تقاطر المصلين من مختلف المناطق. وفاقم تضررَ الاحتلال من هذه المبادرة تنظيمُ آلاف المصلين، عقب خروجهم من الصلاة، مسيرات حاشدة جابت أحياء القدس القديمة، صدحت بالتهليل والتكبير، وكان شعارها المركزي “بالروح بالدم نفديك يا أقصى”، وإحياء ذكرى الشهيد مصباح أبو صبيح فقد هتف المصلون “مصباح وصّى أمانة… ترك الأقصى خيانة”.

ومع تحقيق الحملة لهدفها، وعمارة المسجد بالآلاف، اعتدت قوات الاحتلال على المصلين، فبعيد انتهاء الصلاة، اقتحم عشرات الجنود الأقصى، واندلعت مواجهات عنيفة في باحات المسجد، أدت إلى إصابة عددٍ من المصلين، ما يعيد التأكيد أنّ الالتحام الجماهيري مع الاحتلال قادرٌ على لجم الاحتلال، وعدم القبول بما تقوم به أذرعه التهويديّة، بل عرقلة مشاريعها ومخططاتها، كما كان قادرًا على إمداد الأقصى بالعنصر البشري، الذي شكل عمود المواجهة والحفاظ على هوية المسجد طيلة السنوات الماضية.

ولم تتوقف هذه الدعوات عند الأسبوعين الماضين فقط، بل تجددت الدعوات لجمعة “فجر” أخرى في 24/1/2020، وبحسب معطيات من القدس والمناطق الفلسطينية الأخرى، يتصاعد التجاوب بشكل كبير مع هذه الحملة، ومن المتوقع أن يكون أكبر في هذا الأسبوع، وأن أعداد المصلين ستشكل صدمةً أخرى للاحتلال، وفي سياق التضامن والمشاركة، توسعت دعوات “الفجر العظيم”، لتشمل تركيا ولبنان وغيرها من الدول، على أثر إبعاد الشيخ عكرمة صبري عن الأقصى، واستهداف رموز القدس بشكلٍ عام.

أحيا الفلسطينيون الفجر، وكان إحياؤهم له عظيمًا هائلًا، يتوافق مع عظم اليوم والموعد والمكان، فمن باب الفرض، كانت عمارة واحدٍ من خير بقاع الأرض، وتثبت هذه الحملة مجددًا قدرة الفلسطينيين على ابتكار أدوات المقاومة، في تأكيدٍ بأن مواجهة الاحتلال تبدأ من الصلاة ولا تنتهي بالحجر والمقود، والبندقية والصاروخ.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق