من الهيمنة إلى الانهيار.. الصحافة الغربية تثير قضية أفول الإمبراطورية الأمريكية

لم يعد الحديث عن بداية نهاية الإمبراطورية الأمريكية حبيس الأروقة الفكرية والعلمية، كما برز في كتاب “نهاية الإمبراطورية الأمريكية” للكاتب “باتريك واتس”، بل انتقل بقوة إلى الساحة الإعلامية بفضل العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران.
ونطالع في مجلة “نيوستيتسمان” البريطانية عنوانا بالبنط العريض “السقوط: كيف دمر ترامب الإمبراطورية الأمريكية؟” وفي وسط غلاف المجلة صورة لا تخلو من دلالات لنسر واقع على الأرض بفعل إسقاطه بسهم حاد، ووسط المشهد تناثرا ريشه بسبب السقوط المدوي.
يبرهن مقال “جون غراي” بالتحليل على أن قرار الحرب الأخرق الذي اتخذه ترامب لخنق إيران، انتهى بجعل العالم رهينة تحت رحمتها اقتصاديا!. ويوضح أن الحرب لم تكسر طهران، بل حولتها إلى القوة الحاسمة في اقتصاد النفط العالمي.
ويرى أن القرار الذي كان يُفترض أن يؤكد عظمة أمريكا، تحول إلى أكبر معول هدم لهيبتها كقوة عالمية وحيدة، وفتح الباب أمام نظام عالمي جديد لن تكون واشنطن هي السيدة الآمرة والناهية فيه. ويأتي كصرخة تنبيه إلى أن الولايات المتحدة تفقد حلفاءها التاريخيين واحدا تلو الآخر بسبب جنون القوة.
ترامب عامل إضعاف
وفي نفس الاتجاه، يشرح مجلس تحرير صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية “كيف أضعف ترامب أمريكا بأربع تصرفات”، منها ما يتعلق بحلفاء وشنطن، ومنها ما يتعلق بالمجال الاقتصاد والمجال العسكري والمجال الاستراتيجي.
ويجعل المقال عدم أخذ موافقة الكونجرس والتفاهم مع الحلفاء وإقناع الشعب بجدوي الحرب في أولى تلك التصرف، بل تصور الصحيفة مشهدا دراماتيكيا يقنع فيه نتنياهو ترامب بأن الشعب الإيراني سوف يثور بعد الغارات ولكن رئيس المخابرات المركزية قال العكس ولم ينصت إليه.
أما التصريف الثاني فيتجلى في استخدام الولايات المتحدة الأمريكية كما هائلا من الأسلحة المتقدمة التي تحتاج سنوات لاسترجاع مخزونها بشكل طبيعي، بل سحبت أجهزة الدفاع عن حلفاء مثل كوريا الجنوبية، لتجعلها بذلك عارية أمام الدول المتربصة بها.
ويكمن التصرف الثالث في فقد حلفاء أمريكا الثقة فيها وفي قيادتها، وهم: اليابان وكوريا الجنوبية وكندا وأستراليا وأوروبا الغربية، وقد اتجهوا نحو تنظيم أنفسهم كقوة كبيرة لا تعتمد على أمريكا. وفي نفس الوقت شعرت بلاد الخليج بخيانة ترامب وعدم الاهتمام بأمنهم وسلامتهم، مقابل دعم حماية مطلقة للاحتلال.
ويتجسد التصرف الرابع في أن أمريكا كان لها جاذبية خاصة ليس فقط بسبب الثراء وفرص النجاح الكبيرة ولكن لأنها بلد الحرية والديموقراطية والمنافسة الحرة، لكنها اليوم فقدت ذلك بسبب تصرفات وأقوال ترامب ووزير حربه ، بينهما يعتبر العالم أقوالهما وأفعالهما بمثابة “جرائم حرب”.
انهيارعاجل غير آجل
وبالعودة إلى كتاب “نهاية الإمبراطورية الأمريكية” للكاتب “باتريك واتس” الذي انطلقنا منه نجده يتنبأ في عام 2024 بمسار قاتم، بناء على استقراء الأسباب التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية التي قد تؤدي إلى انهيار الإمبراطورية الأمريكية عاجلاً وليس آجلاً.
مع عواقب محلية وعالمية هائلة ما لم يتم اتخاذ إجراءات على جميع المستويات لإحداث التغيير الضروري. في مقالته، يقدم باتريك للقارئ لمحة عامة عن القضايا ذات الصلة، ويدعونا للانضمام إلى حوار هادف يتم إجراؤه بروح من الاحترام المتبادل والاهتمام بمستقبل أفضل.
وفي هذا يقول باتريك “نشأت فكرة كتابي الأول: «نهاية الإمبراطورية الأمريكية»، في يناير 2021، خلال الأسابيع الأخيرة من إدارة ترامب، بينما كنت أستعد لإنجاز أطروحة الماجستير في العلاقات الدولية والحرب المعاصرة”.
وتابع “وبدا أن دراستي حول الآثار الدائمة لرئاسة ترامب على المعايير الديمقراطية والدولية الراسخة تكتب نفسها بنفسها. اقتحم المتظاهرون، بتحريض من قائدهم الأعلى، مبنى الكابيتول، وتبين أن الديمقراطية الأمريكية هشة وليست منيعة كما كنا نعتقد دائماً”.
ويختم بالتأكيد على أن “على الطبقة الأوليغارشية أن تدرك الأرضية الخطرة التي تسير عليها، حيث إن التفاوت المتفشي، والنزاعات حول شرعية الخلافة، والمغامرات العسكرية الفاشلة، والقمع الاقتصادي، وتدهور البيئة، كلها عوامل أدت في الماضي إلى سقوط العديد من الإمبراطوريات”.
استحضار “العصبية” لابن خلدون
لكن ما المقصود بسقوط الولايات المتحدة الأمريكية؟ يفسر موقع “Science Shot” وهو واحد من أكثر المنشورات الأسبوعية شعبية في العالم في مجال العلوم والتكنولوجيا، أن نهاية الإمبراطورية الأمريكية لا تعني نهاية الولايات المتحدة.
وتستحضر هنا أن روما كدولة- مدينة استمرت لقرون عديدة رغم فقدان الطابع الإمبراطوري. كما أنه لا تزال بريطانيا دولة غنية وذات تأثير ثقافي رغم فقدان الطابع الإمبراطوري. وحسبها تشير كلمة ”النهاية“ إلى فقدان الهيمنة – أي القدرة على فرض قواعد اللعبة العالمية.
وقد اعتمد هذا التحليل على عدة مرتكزات منها “العصبية” التي فصل فيها العالم المسلم ابن خلدون القول في كتابه المقدمة، كما اعتمد على قوانين الديناميكا الحرارية بحيث أنه لا يمكنك إنتاج طاقة أكثر مما تستهلك إلى الأبد. فالآلة الأمريكية ترتفع حرارتها، وقوانين الفيزياء تتطلب تبريدا. ما يعني أن المستقبل ليس أمريكيا؛ بل متعدد الأقطاب، وفوضوي، وتنافسي بشدة.






