مقالات رأي

سلوا الله العفو والعافية: فقه الدعاء وحق العيادة في السنة النبوية – يوسف الحزيمري

أوصى رسول الله ﷺ بطلب العفو والعافية في الدنيا والآخرة في الدعاء، وكان ذلك من أعظمه وأفضله، فعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «قال رجل يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: سل الله العفو والعافية، والعافية في الدنيا والآخرة فإنك إن أعطيت ذلك أفلحت» «من حديث سفيان الثوري – ت عامر صبري» (ص147).

وعن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قام أبو بكر الصديق على المنبر ثم بكى فقال: قام فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ أوَّلِ على المنْبَر، ثُمَّ بَكى: فقال: «سَلوا الله العَفْوَ والعافِيَةَ، فإَنَّ أحداً لَمْ يُعْطَ بعدَ اليقينِ خَيْراً مِنَ العافِيَةِ» «صحيح الترغيب والترهيب» (3/324).

فهذه وصية نبوية عظيمة وترغيب ثبت في أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ، وهي تعني طلب السلامة من كل بلاء في الدين والدنيا والبدن، إذ لا يساوى الدعاء بالعافية شيء من الأدعية؛ لأنها تجمع خيري الدنيا والآخرة، وهي أفضل ما يعطى العبد بعد نعمة الإيمان واليقين، وتشمل حفظ الدين، والبدن، والأهل، والمال من الفتن والأمراض والمحن.

الابتلاء بالمرض سنة كونية، والصبر عليه واجب شرعي:

ولما كان الإنسان المسلم مبتلى في بدنه وماله، كما قال تعالى: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ﴾ [آل عمران: 186]، ذهب بعض أهل التفسير إلى القول أن البلوى في الأنفس: الأمراض.

ولما كانت الأمراض مقدرة، ولا بد أن يصيب المسلم منها شيئا في الدنيا، حث الشارع على الصبر عليها، والتسليم بأقدار الله وعدم التسخط منها، وطلب التماس الأسباب من التداوي لها، وأوجب على المسلم حق العيادة لأخيه المسلم عند المرض والدعاء له، وجعل ذلك للمريض كفارة له.

وإن المتأمل لشرعنا الحنيف قرآنا وسنة ليجد إحاطة تامة، واهتماما بالغا بالمرض والمريض، توصيفا ومعالجة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في سن حق عيادة المريض.

حكم عيادة المريض: عرض الخلاف الفقهي:

ذهب الإمام البخاري رحمه الله إلى وجوب عيادة المريض، وقد نقل الحافظ ابن حجر طيف الأقوال في المسألة نقلًا دقيقًا يستحق التأمل: «جزم بالوجوب [أي البخاري] على ظاهر الأمر بالعيادة، قال ابن بطّال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون للنّدب، للحثّ على التّواصل والألفة… وقال الجمهور هي في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون بعض… ونقل النّوويّ: الإجماع على عدم الوجوب يعني على الأعيان» «فتح الباري» لابن حجر (10/112).

فالمسألة إذن ذات أربعة أقوال متدرجة: وجوب عيني ظاهر (البخاري)، وجوب كفائي يشبه فك الأسير وإطعام الجائع (احتمال ابن بطال)، ندب مؤكد يُراد به التواصل والألفة (احتمال آخر لابن بطال)، وندب أصلي قد يصل للوجوب في حق بعض الناس دون بعض (الجمهور)، مع نقل النووي للإجماع على نفي الوجوب العيني. وهذا التدرج في الأقوال يكشف أن المسألة، وإن اختلف في درجة الحكم فيها، إلا أن أصل مشروعيتها وتأكدها محل اتفاق تام بين الجميع.

آداب الزائر عند المريض:

سن الشرع أيضا آدابا لزيارة المريض، وما يقوله الزائر حينها من الدعاء المأثور له بالشفاء والإقالة من المرض المتلبس به. وفي ذلك يقول المهلب: “أن السنة أن يخاطب العليل بما يسليه من ألمه، ويغبطه بأسقامه بتذكيره بالكفارة لذنوبه، وتطهيره من آثاره، ويطمعه من الإقالة، كقوله: لا بأس عليك مما تجده، بل يكفر الله به ذنوبك، ثم يفرج عنك فيجمع لك الأجر والعافية، لئلا يسخط أقدار الله واختياره له وتفقده إيَّاه بأسباب الرحمة، ولا يتركه إلى نزغات الشيطان والسخط، فربما جازاه الله بالتسخيط سخطًا، وبسوء الظن عقابًا فيوافق قدرًا يكون سببًا إلى أن يحل به ما لفظ من الموت الذي حكم به على نفسه” «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (9/382).

ومما قيل في آداب زيارة المريض: “ويجب على اللطيف الظريف في عيادة المريض الضعيف، تخفيف السلام، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام، ويقال: جلسة العيادة خلسة، وقالوا: التخفيف خير عادة في العيادة” «غرر الخصائص الواضحة» (ص562).

  فلاحظ أن هذا الأدب النبوي في الزيارة يجمع بين مقصدين دقيقين: تسلية المريض نفسيًا بالتذكير بأجر المرض وتكفيره للذنوب من جهة، والتخفيف عنه بدنيًا بعدم إطالة الجلوس من جهة أخرى، فالرحمة هنا رحمتان: رحمة بقلبه، ورحمة بجسده الضعيف.

فضل العيادة: أن تجد الله عند المريض:

ومن أعظم ما ورد في الزيارة، أن تجد الله عز وجل عند المريض، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ عز وجل يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ…» «صحيح مسلم» (8/13).

قال ابن القيم رحمه الله: “فإنَّ المريضَ مكسورُ القلب ولو كان من كان، فلا بدَّ أن يكسره المرضُ، فإذا كان مؤمنًا قد انكسر قلبُه بالمرض كان الله عنده”. وقال: “شمعةَ الخير والفضل والعطايا إنَّما تنزل في شَمْعَدَانِ الانكسار” «مدارج السالكين (1/462).

الدعاء المأثور عند زيارة المريض:

وقد سقنا هذا التمهيد لنصل إلى ما يقال عند زيارة المريض من الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ، باعتبار كلامه من جوامع الكلم:

فعن ابْن عَبَّاس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: (لا بَأْسَ طَهُورٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ).

وقد جاء في دعاء المريض والدعاء له عن علي رضي الله عنه قال: وجعت وجعًا كان يقتلني فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقال: «اللهم إني أسألك تعجيل العافية، أو صبرًا على البلية، وخروجًا من الدنيا إلى رحمتك» «المنهاج في شعب الإيمان» (3/334).

 وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ: «أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» «السنن الكبرى – النسائي – ط الرسالة» (7/59).

ومن أراد التوسع في هذا الباب فعليه بكتاب المرضى من كتب السنة النبوية الشريفة.

خاتمة:

يتبين مما سبق أن الشريعة لم تترك المريض لضعفه ووحدته، بل أحاطته بمنظومة متكاملة: دعاءٌ نبوي جامع بطلب العافية قبل وقوع البلاء، وحكمٌ فقهي متدرج يرتب حقًا لأخيه المسلم عليه إذا مرض، وأدبٌ نفسي دقيق يراعى في زيارته، ودعاءٌ مأثور يُقال له يجمع بين طلب الشفاء العاجل والرضا بالقضاء إن تأخر. وأعظم ما في هذا كله أن يجد العائد ربه عند المريض، فتكون العيادة بذلك عبادة لا مجرد مروءة اجتماعية.

فاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، واجعلنا ممن يعود المريض ابتغاء وجهك، وصلّ اللهم وسلّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى