أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-مدارات فكرية

د أوس رمّال يكتب: النقد العلمي.. متى يكون إصلاحًا ومتى يتحول إلى هدم؟ (2)

في التمييز بين التجديد المنهجي والتفكيك الأيديولوجي

لم يكن النقد في يوم من الأيام خصمًا للعلم، بل كان أحد أعمدته الكبرى. فبه تتمايز الآراء، وتنضج المناهج، ويتقدّم الفهم. ولم تعرف حضارتنا الإسلامية ازدهارها إلا حين كان باب النظر مفتوحًا، والاجتهاد قائمًا على أصوله، والاختلاف محكومًا بضوابطه التي تحفظ توازنه وتمنع انحرافه. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود النقد في ذاته، وإنما في طبيعته ومنهجه: متى يكون سبيلًا إلى الإصلاح، ومتى يتحول إلى مدخل للهدم؟

إن النقد العلمي في جوهره فعل بناء، ينطلق من الثقة في المرجعية، ويهدف إلى ترشيد الفهم وتصويب الاختلال، وإعادة ترتيب العلاقة بين النص والواقع. وهو بهذا المعنى جزء لا يتجزأ من عملية التجديد التي لا تستقيم حياة الفكر بدونها. غير أن هذا النقد يفقد وظيفته حين ينفصل عن أصوله المنهجية، أو يتحول إلى أداة لإثارة الشكوك دون تمييز أو تدقيق، أو إلى وسيلة للاعتراض دون اقتراح. وقد نبّه عدد من علماء المقاصد إلى أن التجديد لا يكون معتبرًا إلا إذا استند إلى أصوله، وراعى مقاصده ومآلاته[1].

وفي سياقنا المغربي، يمكن أن نلمس بوضوح هذا التمايز في عدد من النقاشات الراهنة. فقد برزت في السنوات الأخيرة مقاربات نقدية رصينة لبعض الهيئات المدنية في قضايا الأسرة؛ سعت إلى معالجة إشكالات واقعية من داخل المرجعية، مع استحضار مقاصد الشريعة في حفظ الكرامة والاستقرار، والتمييز بين ما هو قطعي وما هو مجال للاجتهاد. كما تجلّى هذا النفس الإصلاحي في تطوير صيغ المالية التشاركية، التي حاولت التوفيق بين مقتضيات العصر وضوابط الشريعة، دون رفض مطلق للواقع ولا تسليم كامل له.

وفي المقابل، ظهرت أطروحات أخرى تميل إلى اختزال التراث في بعض صوره الجزئية، أو تحميله مسؤولية اختلالات معاصرة، دون اعتبار لتعقيد السياقات أو تنوّع الاجتهادات. كما تُطرح أحيانًا قضايا مركّبة بأسلوب يغلب عليه الاستفزاز بدل الإقناع، فيتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى جدل لا ينتج معرفة، ولا يسهم في بناء وعي. وقد أشار غير واحد من الباحثين إلى أن اختزال الظواهر المركبة هو من أبرز مظاهر الخلل المنهجي في التفكير المعاصر[2].

وهنا يبرز الفرق الدقيق بين نقدٍ إصلاحيٍّ مسؤول، ونقدٍ هدّامٍ متعجّل. فالنقد الإصلاحي يقوم على فهم عميق للموضوع، ويُفرّق بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير، ويسعى إلى تقديم بدائل أو تصورات قابلة للنقاش. وهو نقد يوازن بين الجرأة العلمية والانضباط المنهجي، فلا يكتفي بإثارة الأسئلة؛ بل يعمل على توجيهها الوجهة الصحيحة. أما النقد الهدّام فيقوم على التعميم والاختزال، ويكتفي بإثارة الأسئلة دون تقديم رؤية متماسكة، أو يذهب إلى التشكيك في الأصول بدل مراجعة الفروع.

وقد قرر علماء الأصول أن الاجتهاد لا يكون معتبرًا إلا إذا استند إلى أدواته وضوابطه، وأن الخروج عن هذه الضوابط يفضي إلى فوضى في الفهم والتأويل، حيث تختلط المعايير وتضطرب الأحكام[3]. وهذا ما يجعل التمييز بين النقدين ضرورة فكرية ملحّة، لا مجرد ترف نظري.

إن التحدي الذي نواجهه اليوم ليس في كثرة الأسئلة، فالسؤال في حد ذاته علامة صحّة، وإنما في طبيعة المقاربات التي تتعامل معها. فليس كل طرح جديد دليلًا على عمق معرفي، وليس كل نقد “جريء” علامة على وعي رصين، بل إن القيمة الحقيقية لأي نقد تقاس بمدى التزامه بالمنهج، وقدرته على الإضافة لا مجرد الإثارة.

وفي الأخير، فإننا أحوج ما نكون إلى نقد يُصلح ولا يُفسد، يبني ولا يهدم، ويحوّل الاختلاف إلى مصدر غِنى بدل أن يجعله سببًا للصراع. نقدٍ ينطلق من وعي بالمرجعية، وإدراك لتعقيد الواقع، ومسؤولية تجاه مستقبل الأمة، فيسهم في ترسيخ الفهم وتوجيه مسار الإصلاح.

 

[1] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، كتاب المقاصد.

[2] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية.

[3] الشاطبي، الموافقات، ج4، باب الاجتهاد.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى