
أعلنت الولايات المتحدة أمس الخميس ولليوم الثاني، شن ضربات ضد إيران بينما قالت طهران إنها ردت بهجمات صاروخية على قواعد عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في بيان إن القوات الأمريكية “استهدفت نحو 90 هدفا عسكريا إيرانيا شملت أنظمة دفاع جوي، وأصولا للمراقبة الساحلية، ومواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وبنية تحتية لوجستية عسكرية على طول الساحل الإيراني”.
في المقابل، قال الحرس الثوري الإيراني في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية “إرنا” إنه “استهدف قاعدتي عريفجان وعلي السالم بالكويت، والجفير والشيخ عيسى بالبحرين”. وحذر الحرس الثوري من “توسيع نطاق الرد ليشمل قواعد أمريكية أخرى في المنطقة في حال تكرر العدوان الأمريكي”.
ويرجّح جامعيون ومحاضرون أن تعود المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة الأحداث في أي لحظة، مؤكدين أن التهدئة الحالية لا تعكس وجود اتفاق مستقر، بل تمثل مرحلة مؤقتة تحكمها حسابات سياسية وعسكرية معقدة، في ظل استمرار التوتر بين الطرفين وتضارب المواقف داخل الإدارة الأمريكية.
وقال أستاذ الإعلام في جامعة النجاح بمدينة نابلس بالضفة الغربية، الدكتور فريد أبو ضهير، لـ”قدس برس” إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعرف بتقلب مواقفه السياسية، الأمر الذي يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأزمة، موضحا أن المراقبين لم يعودوا قادرين على الجزم بما إذا كانت الإدارة الأمريكية تتجه نحو تثبيت مسار التفاوض أم العودة إلى الخيار العسكري.
وأضاف أن الغموض الذي يحيط بالتفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران إلى جانب الخلافات حول حرية الملاحة في مضيق “هرمز”، أسهم في إعادة التصعيد، بعد تبادل الضربات العسكرية بين الجانبين.
وذكر أن الأزمة لا تقتصر على العلاقة مع إيران، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث تشهد الإدارة انقسامات واضحة بين تيار يدفع نحو استمرار المواجهة العسكرية حفاظًا على ما يسميه “هيبة الولايات المتحدة”، وآخر يحذر من الكلفة السياسية والاقتصادية للحرب، وما قد تتركه من تداعيات على الإدارة الأمريكية والانتخابات المقبلة.
وأوضح أن واشنطن و”تل أبيب” تسعيان إلى تحقيق حسم واضح في المواجهة مع إيران لاستعادة صورة الردع، إلا أن طهران، وفق تقديره، نجحت في إدارة الصراع بطريقة حالت دون تحقيق هذا الهدف، من خلال ردود محسوبة أبقت باب التصعيد مفتوحًا دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ورأى أبو ضهير أن الضربات المتبادلة حتى الآن لم تصل إلى مستوى “الضربة القاضية”، بل بقيت ضمن إطار تبادل الرسائل العسكرية والسياسية، حيث يحاول كل طرف ممارسة الضغط على الآخر مع الإبقاء على إمكانية العودة إلى التهدئة إذا اقتضت الظروف.
وأضاف أن إيران تعاملت بقدر من الحذر في ردودها العسكرية، مشيرًا إلى أنها تجنبت توجيه ضربات مباشرة إلى “إسرائيل” خلال الجولة الأخيرة، في خطوة وصفها بأنها محاولة لمنع توسيع دائرة الحرب ومنح “تل أبيب” مبررًا للدخول المباشر في المواجهة.
ولفت إلى أن استمرار الغموض في قرارات ترامب يعكس حجم الأزمة داخل “المطبخ السياسي” الأمريكي، حيث تتباين التقديرات بين أركان الإدارة بشأن جدوى استمرار العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية على البيت الأبيض.
وفي السياق ذاته، أشار أبو ضهير إلى أن الحرب الأخيرة أضعفت صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، موضحا أن واشنطن تخوض المواجهة بدرجة أكبر من العزلة مقارنة بحروب سابقة، في ظل تراجع الحماس الأوروبي للمشاركة العسكرية، واتساع رقعة الانتقادات الموجهة إلى الإدارة الأمريكية.
وأوضح أن وسائل الإعلام الغربية، إلى جانب عدد من الحكومات الأوروبية، أصبحت أكثر جرأة في انتقاد سياسات ترامب الخارجية، بينما تحاول العواصم الأوروبية الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة مع واشنطن، دون الانخراط الكامل في خياراتها العسكرية.
من جانبه، رأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، رائد نعيرات، أن التطورات الحالية، والمتمثلة في العدوان الأمريكي على مناطق إيرانية فجر اليوم، تمثل جولة جديدة من جولات اختبار مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات، موضحا أن الولايات المتحدة وإيران تسعيان إلى توظيف أدوات الضغط العسكري لتحقيق مكاسب تتعلق بمستقبل مضيق هرمز.
وأضاف أن إيران ما تزال متمسكة بإعادة ترتيب آلية إدارة المضيق مستقبلا، انطلاقا من مبدأ تقاسم المسؤولية مع سلطنة عُمان، وفرض رسوم على الخدمات، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى هذه التوجهات باعتبارها محاولة لفرض هيمنة إيرانية على ممر دولي يمر عبره نحو 20% من التجارة العالمية، ولا سيما تجارة النفط، وما يحمله ذلك من تداعيات على موازين القوى في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن واشنطن تواصل سياسة الضغط، في مقابل ردود عسكرية مباشرة من إيران، معتبرا أن الصراع بالنسبة للطرفين يتجاوز الحسابات التكتيكية إلى اعتبارات استراتيجية.
وختم نعيرات بالتأكيد على أن جميع الأطراف تعلن عدم رغبتها في عودة الحرب، إلا أن ذلك لا يعني استبعاد هذا السيناريو، خاصة أن تنفيذ مذكرة التفاهم يتطلب اتفاقًا على كل بند من بنودها. ومع اقتراب انتهاء الأسبوع الثالث من المهلة المحددة بستين يومًا دون تحقيق تقدم ملموس، يبقى التساؤل مطروحًا حول إمكانية تمديد هذه المهلة أو انهيار المسار التفاوضي




