أخبارالرئيسية-ثقافة و مجتمعمقالات رأي

استقالة المفكر امحمد طلابي من اليسار.. وثيقة تاريخية معاصرة

كثيراً ما نتحدث عن التائبين إلى خط الأمة وحضارتها من المشارقة أو الغربيين، ونزهد فيمن كان من قريتنا وبلدنا نحن المغاربة، وكأن تحول البعيد له مكانة على القريب، ولعلها ضريبة القرب التي تجعل العالم والمفكر والتائب لا يلتفت إليه.

 لقد احتفينا كثيراً بمنير شفيق ورجاء جارودي وكات ستفنس وغيرهم، وهذا حق مشروع لا يجب أن ينسينا الاحتفاء بمن هم في بلادنا وهم نزر قليل.

 ومن هذا النزر كانت هذه المقالة عن أحد هؤلاء وهو الأخ الفاضل الأستاذ محمد طلابي. فمن هو هذا الرجل؟

 محمد طلابي من المرجعية الماركسية إلى المرجعية الإسلامية

 كان قيادياً في خط اليسار محسوباً عليه، مناضلاً صلباً في صفوفه. لم يكن السيد محمد طلابي في الخطوط الخلفية التابعة، بل كان قيادياً كبيراً، ومن المنظرين والمخططين لمسيرة الإصلاح والتغيير في المغرب، مدافعاً عنها من خلال المسؤوليات التي تقلدها بالكتابة أو بالنضال الملتحم مع الجماهير.

 لقد تقلد مهمة القيادة في الكتابة الوطنية(المكتب السياسي) لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي اليسارية، كما كان عضواً باللجنة الوطنية لإصلاح التعليم والتي شكلت عام1995 من قبة البرلمان، قبل أن تقال من طرف عاهل البلاد، وإن شئت أن تقول: قبل أن تطرد.

 وهو أحد الأعضاء المؤسسين لعدد من المنظمات والجمعيات: كالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالمغرب، والجمعية المغربية للبيئة والتنمية.

 وبعد تحوله من اليسار إلى خط الحركة الإسلامية أصبح عضواً بالمكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، وعضواً بالمكتب الدائم لمنتدى الوسطية العالمي والذي مقره بالأردن، ورئيساً للمنتدى المغربي للوسطية، ومديراً لمجلة الفرقان، وعضواً بالمؤتمر القومي الإسلامي، وعضو مجلس الرئاسة للإتحاد الوطني للشغل بالمغرب، وعضو الكتابة التنفيذية لمؤسسة المهدي بن عبود للدراسات والأبحاث والإعلام، ولا ننس أن له مساهمات طيبة في المؤتمرات الوطنية والدولية، وكذا في الجرائد والقنوات التلفزية. وأما محاضراته ومقالاته فبالمئات.

 محمد طلابي: فكر هادر

 ثم انطلق هادراً في الإعراب عن مكونات فكره بعد إعلان الاستقالة والانسحاب، ولم ينسحب من المجتمع كما فعل آخرون، بل حوَّل سيوف الفكر والمنازلة الثقافية إلى مجال الأمة في المغرب وفي دول المشرق والغرب، فكتب بالحب والإيمان ما يلي:

  • سلاح الذرية في مواجهة سلاح الذرة.
  • القطيعة مع العلمانية شرط للنهوض.
  • خراب الأسرة منذر بخراب العمران.
  • تقرير في نقد العقل السياسي المغربي: الرسمي والمعارض.
  • الإسلام: دين يقطر آدمية.
  • الحداثة في ميزان الإسلام بين الإعمار والاستعمار.
  • طرائق التفكير الوسطي في مواجهة طرائق التفكير المتطرف.
  • المسلمون في الغرب بين الأخوة في الدين والأخوة في الإقليم.
  • المسحية الصهيونية عقيدة الدمار الشامل.
  • الدولة الإسلامية تركيب ديني مدني.
  • معشر الاشتراكيين مهلاً: مصارحة قصد المصالحة (في ثلاثين حلقة).

إلى آخر ما سطرته براعته، ولم يفوت فرصة التفكر والتفكير في الأوضاع المحلية والدولية دون أن يضع بصمته عليها.

 ومن كتبه: تقرير في نقد العقل السياسي المغربي: الرسمي والمعارض، وكتاب الوسطية، …

ولا يزال عطاؤه الفكري والتصحيحي والاستشرافي ينتظر من يبرزه بتفريغ أشرطته، أو الاعتناء بمقالاته ورسائله.

 وقد توافقه فيما خطه قلمه أو أباح به في محاضرة أو نشاط علمي أو معرفي أو سياسي، وقد تختلف معه، ولكن خصال التقدير والإكبار لعقل الأستاذ الكبير محمد طلابي هو الذي لا يمكنك بحال أن تختلف معه فيه، يسيطر عليك بوداعته وقوة حجته وأدبه الكبير.

وله حفظه الله تعالى بصمة تؤطر لكل عدد صادر من مجلة الفرقان المغربية التي يرأسها.

 محمد طلابي: الرجل الكبير

 لم يكن الرجل عاديا، وكتابتي عنه اليوم لسببين:

 الأول: أن اتخاذ قرار الانفصال عن خط اليسار وإعلان ذلك في الصحف السيارة أمر لا يقْدِر عليه إلا الكبار. ولهذا وجدنا كثيراً من المفكرين يتوبون مما كانوا يفكرون فيه أو يفكرون منه، ويكبر في صدورهم أن يعلنوا توبتهم، ويسرون قرارهم إلى الخُلَّص من أصحابهم، ويموتون دون أن يُعرَف عنهم أنهم تراجعوا عما كانوا عليه، فيستحيون عن المعالنة والإعلام، ولا تطاوعهم نفسهم على المصارحة.

 والكبار من المثقفين والمفكرين والقادة هم الذين لا يترددون في الإعلان عن شعورهم وما وصل إليه فكرهم. لم يرْتَعِبْ محمد طلابي مما ارتعب منه كبار المثقفين والساسة والمفكرين فاختاروا اللياذ بالصمت وأن يرحلوا دون أن تُعْرَف حقيقتهم عند الجمهور، مع أن المثقف العضوي أو الملتزم لا يحسن به أن يموت في الغموض.

 لقد قرر ـ حفظه الله تعالى ـ بوضوح وشجاعة أن يعلن للرأي العام ما استقر عليه بحثه وتفكيره ونظره في السنن التاريخية التي هدته إليها تجربته وقراءاته ونظرته للواقع السياسي والفكري في البلاد وفي القرية العالمية.

 وهو إذ يفعل ذلك كان على وعي تام بضريبة مثل هذا القرار الذي غالبا ما يترافق مع خروج الفئران السامة من جحورها لتلطيخ صورة المنسحب والمستقيل من فكر إلى فكر بالحجة والبراهين التي أعطتها منة نضجه ووعيه. يتهالكون على نهشه والإساءة إليه لتثنيه عن قراره أو في أقل تقدير تخويف غيره من اللحاق به واختيار مثل اختياره.

 ولقد تعرض لشتى ألوان الافتراءات ومنها:

أنه عدو المرأة وعدو الديمقراطية، وصوروا تصويرا كاذبا في أنفسهم آمنوا به ثم أصروا على أن يلبسوه إياه وهو من كل مفترياتهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب. فلم يلتفت إلى شغبهم وإن كان قد احتفظ لنفسه بحق الرد والتوضيح والتصحيح.

 الثاني: أنه لم يتخذ هذا القرار في ظل وضوح الأحداث كما هي شنشنة الوصوليين الذين لا يترددون في اختيار الركوب على أي موجة جديدة، يستقلونها من أجل الحفاظ على مكاسبهم أو الزيادة من ثرائهم ومكانتهم المادية والمعنوية. لقد اتخذ قرار الاستقالة من خط اليسار، واليسار في الحكم منتش بوصوله، وخط الإسلاميين لا يزال مستضعفا، بل مرت على الحركة الإسلامية أياماً حالكة عجافا عندما اتهمت بالمسؤولية المعنوية عن الأحداث الدموية الأليمة، وارتفعت أصوات بوجوب حل الحزب السياسي المحسوب على الإسلاميين، ورأوا أنها فرصة للانقضاض عليه، كما بدأوا العمل على نسخ التجربة التونسية في تجفيف المنابع والنكوص بالمكتسبات الديمقراطية.

 قبل هذه الأجواء والتي حكم فيها اليسار ثم بعدها من المحنة التي تعرض لها الإسلاميون لم يتردد أن يقول بالواضح: لا لخط ليس هو هوية الأمة وقائدها في النهضة والتغيير والإصلاح.

هذا هو الأستاذ محمد طلابي الذي أقدم على خطوة لا يقدم عليها إلى الأكابر الذين لا ترعبهم جعجعة الغالبين والمستكبرين أن يقولوا ما يعتقدوه الحق. ولذلك كان صادقاً في يساريته ودفاعه عنها، وهذا الصدق هو الذي استصحبه في الإعلان عن عدم صحة المسيرة في خطها الفكري والإيديولوجي.

 لقد اختار محمد طلابي الانفصال غير راغب ولا راهب، فلم يرغب في غنيمة تراءت له بريقها، ولم يرهب من غطرسة ألجأته إلى التغيير، إنه متخذ قراره وهو في كامل قواه العقلية، متحملا مسؤوليته في الاختيار الثاني، كما تحمل مسؤولية اختياره الأول. وهؤلاء الكبار هم الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم:” خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا”.

 فقط “إذا فقهوا”، فلن يتردد الخيرون المحافظة على خيرته في أي انتماء كان قدرهم. وهذا هو قدر الرواد في كل جيل وزمان، إذا تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود لا يترددون في مصارحة أقوامهم والصدع إليهم بالحقيقة، فإن رأيت كبيراً مشاراً إليه يخاف من سخطة الجماهير عليه، أو يخاف من ذهاب المصالح عنه، فاعلم يقينا انه ليس من الرواد، لقوله صلى الله عليه وسلم:” إن الرائد لا يكذب أهله”.

مهما كلفت الرائد صدق اللهجة من ثمن، فإنه لا يستنجد بالكذب لنجدة أطماعه وآماله ومصالحه، وهذا هو ظننا في الأستاذ الكبير محمد طلابي، أنه من رواد المغرب في زمن الهزيمة والخيبات وبيع المثقفين فكرهم وعلمهم وثقافتهم وألسنتهم لمن يسدد أكثر.

 ولا أتحدث عن الرائد محمد طلابي حديث السامع لأخباره، ولكني إذ أتحدث عنه اليوم بعد النظر في وثيقة تقديم استقالته التي كانت السبب في هذه الكلمات، حديث المخالط والمعاشر في جبهة تحرير مجلة الفرقان، وحديث الجالس ساعات طوال نقلب فيها النظر في الوقائع والأحداث قبل التعريج على مواد المجلة وقيمتها والمستكتبين لملفاتها.

 محمد طلابي: وثيقة للتاريخ

قبل أن نشرع في تجلية بعض الحقائق، لا بد احتراما للقارئ، وتمكين من لا يتوفر على الوثيقة أن نقدمها له، لعل قراءته لها يكون فيها من العبر والفوائد ما شرد عني عند كتابتي. إن للوثيقة عند العالم والمؤرخ وراود التغيير والإصلاح قيمة لا تعدلها أموال الدنيا بين يديه. 

ونص هذه الوثيقة هو:

الجمعة:05 جمادى الأولى1419 موافق 28 غشت1998

بسم الله الرحمان الرحيم

إلى/ الإخوان أعضاء اللجنة المركزية للمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي

الموضوع: استقالة وانسحاب

تحية النضال والتقدير، وبعد.

يؤسفني أن أخبركم بقراري بالاستقالة من جميع الهيئات التي أتحمل فيها مسؤولية تنظيمية داخل المنظمة، وهي:

اللجنة المركزية،الكتابة الوطنية(المكتب السياسي)، اللجنة الوطنية التنظيمية، والمسؤولية الوطنية على قطاع الفالحين الديمقراطيين، وأخبركم بانسحابي الكامل من منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

وانسحابي من المنظمة أملته ثلاثة أمور كبرى متساوية في الأهمية، وهي:

أولا: التحول العميق في قناعتي الفكرية ونهجي السياسي، لقد انتقلتُ بالتمام من الماركسية إلى الإسلام، واقتناعي بأن الإسلام الديمقراطي المتسامح والمكافح هو الدعامة للنهضة، وهو الحامل لعناصر الإجابة عن التحديات الحضارية للقرن المقبل، دامجا لقيم الغرب الإنساني: كالديمقراطية والعدالة وقيم مكافحة الاستلاب والاستغلال المادي للمجتمع والأفراد، مراعيا للشرعية التاريخية والدستورية للنظام الملكي ببلادنا.

ثانيا: ثانيا: قناعتي بأن موجة سياسية قد أشرفت على نهايتها، وأن موجة سياسية ثانية في طريق التشكل. الموجة السياسية رقم:1 دامت أكثر من أربعين سنة، وكان مركز دفعها هي: فكرة الاستقلال. وقامت بمهماتها النضالية. والآن دخلت مرحلة التَكوُّر السياسي، وتمثلها الأزمة السياسية والمأزق الذي دخله التيار الديمقراطي الذي فشل في تحقيق الديمقراطية واحترام القانون داخل أحزابه. وفشل ثانيا في التقدم في تحقيق الإصلاحات الديمقراطية للدولة الوطنية. لقد وصل إلى الباب المسدود، وما أتمناه أن لا يكون قد دخل في مرحلة التآكل، وأن لا يكون زمان إنقاذه وتجديده قد فات؟!!

أما الموجة السياسية رقم:2 فإن مركز دفعها سيكون فكرة الديمقراطية والتنمية. وإنجاز هذه سيتم بالتأكيد بإيديولوجية جديدة وروح نضالية جديدة  وبجيل جديد، طبعا لا يقطع إلا مع ما هو سلبي في تجربة الموجة السياسية الأولى والجيل السياسي الأول.

ثالثا: أما العامل الثالث الأساسي للانسحاب أيضا فيتمثل في فشل قيادة منظمة العمل(المكتب السياسي) في التقدم في تحقي الإصلاح الديمقراطي داخل المنظمة بعد ذهاب المنشقين، وفي تحويل الإمكانيات الهائلة التي وفرها الانشقاق إلى قوة تنظيمية وسياسية كبيرة لصالح معسكر الإصلاح الديمقراطي الحزبي، وأن تكون المنظمة هي القاعدة السياسية والخميرة الفكرية لتشكيل الموجة السياسية رقم:2 ببلادنا، والتي تقوم على دمقرطة الأحزاب والتخفيف من الرقابة الذاتية في العمل السياسي، وإدماج مقوماتنا الوطنية والدينية في نظرية العمل السياسي.

وما أتمناه من كل قلبي أن يتغلب المناضلون على كل ما تبقى من الثقافة والتركة السلبية للجماعة المنشقة، وينظفوا المنظمة منها.

لهذه الأسباب قررت الاستقالة والانسحاب من المنظمة التي أكن لسوادها الاحترام والتقدير، وقررت أن يكون الانسحاب شخصي بدون استشارة أحد، أو التأثير في أحد، حفاظاً على وحدة المنظمة رغم إمكانيات التأثير التي أملكها، والتي تعرفها قيادة المنظمة حق المعرفة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

المحمدية: امحمد طلابي.  

قراءة في وثيقة الاستقالة والانسحاب

 إن هذه الوثيقة التي ستأخذ مكانها الطبيعي في صفحات التاريخ النضال المغربي، كتبها صاحبها كما هو بارز من حرارة الكلمات فيها، كتبها لله ثم للتاريخ. وأحب أن أسجل أهم ما عنَّ لي من إضاءاتها، راجيا أن تكون الأيام القابلات فرصة لمزيد من الفحص والغوص في مضامينها. ومما فتح الله تعالى به علي أثناء قراءتها، ما يلي:

الإسلام قادم: إنه يعلن عن قناعاته الفكرية وأنه انتقل بتمامه وكليته من الماركسية إلى الإسلام، لاقتناعه أن الإسلام الديمقراطي هو خلاص الأمة في نهضتها، وهو خلاص البشرية في تقديم الإجابات عن التحديات الحضارية المقبلة، هذا الدين الذي كان يبشر به وأنه عائد من منفاه القسري بكل قوة، لافظا كل محاولات إماتته والقضاء عليه. ويعلن السيد الكبير أن الإسلام ليست له عداوة مع القيم الإنسانية لدى الغرب، فالديمقراطية والعدالة وقيم مكافحة الاستلاب والاستغلال المادي للمجتمع والأفراد.. كلها قيم خالدة في كل الأكوان والأديان وكل الفِطَرِ الإنسانية التي لم تتلوث بالشهوات أو الشبهات. 

 محمد طلابي: حديث عن الموجات السياسية

من خلال نظرة المؤرخ الذي يتتبع السنن الكونية في مجال أفول التيارات وبروز أخرى، تحدث الطلابي في وثيقته عن الموجة التي تنظرها الأمة العربية، فحصرها في موجتين، هما:

الموجة السياسية الأولى: الاستقلال، والتي قام المناضلون الأوائل بمهمتهم، ولم يستطع الخلف أن يكملوا مسيرة البناء والتشييد السياسي. ولذلك دخلت الأحزاب الديمقراطية ،حسبه، مرحلة الانكماش وعدم القدرة على العطاء، وهي إذ تفشل تقدم راية مواصلة السير للدماء الجديدة والتي هي الدماء الإسلامية.

 ومؤشرات فشل التيار الديمقراطي الذي عاش في أحضانه ردحا من الزمان تتمثل فيما يلي:

 أولا: فشل النخبة السياسية الديمقراطية في تحقيق الإصلاحات الديمقراطية وسط كل حزب من الأحزاب، ولا يمكن لمن ليس ديمقراطيا في بيته أن يطالب بالديمقراطية في بيوت الآخرين وفي الفضاء العام. فالعاجز عن القيام بإصلاحات حقيقية فيما يملكه وتحت إمكانه هو أعجز من أن تمتد أفكاره وصياحه بالديمقراطية عند الآخرين. فليس هو النموذج الذي يغري بالاتباع.

 ثانيا: فشله في تحقيق الإصلاحات الديمقراطية للدولة الوطنية، وهذا الفشل نتيجة منطقية تناسلت عن الفشل الأول. فالديمقراطية حزمة لا تتجزأ، ومتى فقدت حلقة أساسية من حلقاتها تاه المناضلون في ميدان الاحتجاج والطلب عوض القيام بالبناء وصناعة تجربة حضارية ناهضة.

ويعتقد الأستاذ محمد طلابي أن قياديي هذه المرحلة قد وصلوا إلى الباب المسدود، وليس سعيداً أن يراها قد دخلت مرحلة التآكل، وأن زمن الإنقاذ والتجديد قد ضاع وفات.

 الموجة السياسية الثانية: الديمقراطية

“أما الموجة السياسية رقم:2 فإن مركز دفعها سيكون فكرة الديمقراطية والتنمية”

هكذا يؤكد الأستاذ محمد طلابي ويعبر بوضح ووثوق أن موجة ثانية سندخلها إن شاء الله تعالى، إنها موجة الديمقراطية والتنمية. لقد كان يبشر بربيع ديمقراطي نحن قادمون عليه، وداخلون أبوابه. لقد دخل الأمريكيون ودخلت أوربا الغربية وغيرهما..فلن يكون قدرنا في البلاد العربية سوى الاستعداد لدخوله.

 ويؤكد محمد طلابي أن هذا الدخول لن يكون رواده وإيديولوجيته الإيديولوجيات القومية أو اليسارية أو الماركسية التي أخذت فرصتها، ودخلت في مرحلة التآكل وإضاعة زمان الإنقاذ والتجديد. لقد كان منذ عام1419هـ/1998 وبالتحديد في يوم05 جمادى الأولى/28غشت يبشر بالقادم الديمقراطي الجديد.

ولا شك أن هذا المآل الذي حاول واجتهد في تنبيه القوم إليه لم يكتبه ويصدع به في الناس إلا بعد أن استوى واختمر لديه وقلَّب فيه النظر وأجاب عن الاعتراضات التي يمكن أن يبديها البعض قبل هذا التاريخ بالتأكيد.

 محمد طلابي: اعتراف بالفشل

 لم يتردد الأخ الفاضل السيد محمد طلابي في الاعتراف بفشل المنظومة اليسارية في قيادة النهضة والإصلاح، ولم يتردد في البدء بمؤسسته التي عاش تحت أكنافها، فقرر بوضوح لا لبس فيه، أن منظمة العمل الديمقراطي قيادةً قد فشلت في تحقيق الإصلاح الديمقراطي ليس في مساحة الوطن الجميل، بل في مساحة المنظمة نفسها، ومن كان عاجزاً عن تحقيق قيم الديمقراطية في صفه فلا ينتظرن منه أحد أن يتقدم خطوة واحدة في الذي ينادي به، وهو عاجز عن تحقيقه داخل بيته الذي من المفروض أن يكون قادراً على التحكم فيه. ولذلك ترك المنظمة وهي في عافيتها ونظره في العمران أخبره أنها ستتآكل بعد فشلها الذي لم يتمناه لها ولا لغيرها. وكان الأمر كما تنبأ بذلك. إلى أن أصبحت اليوم تاريخاً للمنظمات التي قضت عمراً في درب النضال ثم تآكلت واندثرت. إنها مادة للباحثين في دراسة مُنْحَنى التطور والأفول.

 محمد طلابي: تنبؤ بالربيع من خلال السنن

 في التسعينيات اختار من خلال تخصصه في التاريخ، ومن خلال نظره في تجارب الإصلاح العنيفة أو السلمية أو غيرها، أن هذا المسار قد استنفذ أغراضه وأن مساراً جديداً ستعيشه البشرية يراه عِياناً يدب رويداً رويداً، ولا يراه الآخرون ممن لم يُكْتَبْ لهم النفاذ إلى بواطن السنن الحاكمة للعمران البشري.

ولم يلتفتوا إلى قوله، واحسب أن بعضهم اختار التندر والتفكه بنظره. ولا يخفى على المسلم أن الشريعة الإسلامية تعتز بمثل هذه الأنظار الثاقبة، وتعتبرها من المكاسب التي يجب أن يكون العالم والفقيه والمفكر شديد الوعي بها، وليست هذه الإشارات والإفصاحات دعوى وتنبؤات، معاذ الله، فإن من ادعى النبوة فقد كذب واختار الالتحاق بمسيلمة وسجاح.

 هذا العلم هو الذي أصله علماء الشريعة الإسلامية فيما يدعى عندهم بمآلات الأعمال، وقد عد الإمام الشاطبي الرباني هو الناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات.

إن النظر في المآلات هو ترتيب النتائج على المقدمات. وتاريخ العمران هو سنن حاكمة تترتب فيها نتائجها من النهضة والإصلاح أو التأخر والنكوص على ووفق مقدمات يختارها مجتمع من المجتمعات.

 محمد طلابي: بعد إعلان الاستقالة

لقد خرجت الجرذان السامة كما هي عادتها مع الكبار عندما يفاجؤونها بما لم تكن تتوقعه منهم، بسبب قصورهم وتهيبهم أو بهما معها، فقالوا عن مراجعاته وتراجعه: إن محمد طلابي قد نهج استقالة العقل باختيار خط الظلاميين، وإنه قد وقع على نفسه أنه أصبح ورقة بيد المخزن والداخلية المغربية… ولم تتوقف أساليب السباب والهمز واللمز. وكان عوض أن يشتغلوا بتحليل موقفه لبيان صحته أو خطئه، راحوا يتكلموا فيه من غير برهان يسندهم أو حجة ترفع كلامهم.

 هكذا يؤكد الأستاذ محمد طلابي بوثوق أن موجة ثانية سندخلها إن شاء الله تعالى، إنها موجة الديمقراطية والتنمية. لقد كان يبشر بربيع ديمقراطي نحن قادمون عليه، وداخلون أبوابه. لقد دخل الأمريكيون ودخلت أوربا الغربية وغيرهما..فلن يكون قدرنا في البلاد العربية سوى الاستعداد لدخوله.

ويؤكد محمد طلابي أن هذا الدخول لن يكون رواده وإيديولوجيته من الإيديولوجيات القومية أو اليسارية أو الماركسية التي أخذت فرصتها، ودخلت في مرحلة التآكل وإضاعة زمان الإنقاذ والتجديد. لقد كان منذ عام1419هـ/1998 وبالتحديد في يوم05 جمادى الأولى/28غشت يبشر بالقادم الديمقراطي الجديد.

 ولا شك أن هذا المآل الذي أولى أن ينبه القوم عليه لم يكتب ويصدع به في الناس إلا بعد أن استوى وقلب فيه النظر وأجاب عن الاعتراضات التي يمكن أن يبديها البعض قبل هذا التاريخ بالتأكيد.

 محمد طلابي: مناضل لا يزال

 لم يضع الأستاذ محمد طلابي سلاحه استراحة كما فعل الكثيرون. بل لا يزال يناضل التاءات: يناضل ضد الطغاة، والغزاة، والغلاة، والشتات. ولا يزال يشارك في الوسطية الإسلامية عبر جميع الدول، ولا يزال يناضل عبر الحوارات التلفزية أو الإذاعية عبر الفضائيات أو عبر الصحافة الدولية، ولا يزال يقاوم الانحرافات السلوكية والفكرية والسياسية غير رحيم بها لاعتقاده أنها الضرر الأكبر على المجتمع والأمة والكون.

 ومن غريب الأقدار أن يتهافت الشرق والغرب على الاستفادة منه والحوار معه في قضايا الأمة والإنسانية في جميع الأبعاد، ويستنكف إعلاميو المغرب أن يأخذوا عنه، ويساجلوا معه ما يمكن أن يكون عائدهم خيراً على الوطن والأمة الإسلامية والكونية.  وهو الآن على ثغر مجلة الفرقان مديراً لها، وعضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، بارك الله في عمره وعطائه، آمين، آمين.

 الدكتور أحمد كافي / أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى