مرتبة الصيام بين الصدقة وكسر الشهوة

في آية واحدة من سورة الأحزاب أقر الله عز وجل مبدأ التساوي بين الرجال والنساء في العمل والجزاء، فقال تعالى:{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]

وسبب نزول الآية الجواب عن تساؤلات نساء النبي صلى الله عليه وسلم، كأم سلمة رضي الله عنها، وتساؤل نساء المؤمنين أيضا كتساؤل أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها، وهو أي السؤال: ما بال النساء لا يذكرن في القرآن كما يذكر الرجال؟، وفي رواية أخرى عن قتادة أنه قال: لما ذكر أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم قال النساء: لو كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله تعالى الآية.

قال الألوسي رحمه الله بعد سرده لأسباب نزول الآية:”ولا مانع أن يكون كل ذلك”[1]

ومناسبة الآية لما قبلها كما ذكرها الشيخ السعدي رحمه الله:”لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقابهن -لو قدر عدم الامتثال- وأنه ليس مثلهن أحد من النساء، ذكر بقية النساء غيرهن.

ولما كان حكمهن والرجال واحدًا، جعل الحكم مشتركًا، فقال: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها. {وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله”[2].

ومعنى الآية أنها وردت في صدد تطهير الجماعة الإسلامية، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام، الرجال والنساء في هذا سواء، لأنهم في هذا المجال سواء.. يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة[3].

حيث ذكر الله تعالى في هذه الآية عشر صفات من صفات المؤمن المخلص الصادِق الإيمان، وهي: الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدُّق، والصوم، وحفظ الفرْج، وذِكر الله كثيرا.

فهذه الصفات تجعلُ من يتحلّى بها من المؤمنين رجلا مثاليا أو امرأة مثالية. ويلاحَظ أن الله تعالى لم يفرّق بين المرأة والرجل، فالكل سواء في العمل والإيمان والأجر والكرامة. وأيّ منزلة أرفعُ من هذه المنزلة للمرأة، فهي تُذكر في الآية بجنب الرجل، مع رفع قيمتها، وترقية النظرة إليها في المجتمع وإعطائها مكانها اللائق في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة[4].

قال الشيخ ابن عاشور رحمه الله: وقد اشتملت هذه الخصال العشر على جوامع فصول الشريعة كلها:[5]

فالإسلام:يجمع قواعد الدين الخمس المفروضة التي هي أعمال.

والإيمان: يجمع الاعتقادات القلبية المفروضة وهو شرط أعمال الإسلام كلها.

والقنوت: يجمع الطاعات كلها مفروضها ومسنونها، وترك المنهيات والإقلاع عنها ممن هو مرتكبها، وهو معنى التوبة، فالقنوت هو تمام الطاعة، فهو مساو للتقوى. فهذه جوامع شرائع المكلفين في أنفسهم.

والصدق: يجمع كل عمل هو من موافقة القول والفعل للواقع في القضاء والشهادة والعقود والالتزامات وفي المعاملات بالوفاء بها وترك الخيانة، ومطابقة الظاهر للباطن في المراتب كلها. ومن الصدق صدق الأفعال.

والصبر: جامع لما يختص بتحمل المشاق من الأعمال كالجهاد والحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة المسلمين وتحمل الأذى في الله، وهو خلق عظيم هو مفتاح أبواب محامد الأخلاق والآداب والإنصاف من النفس.

والخشوع: الإخلاص بالقلب والظاهر، وهو الانقياد وتجنب المعاصي، ويدخل فيه الإحسان وهو المفسر في حديث جبريل «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»ويدخل تحت ذلك جميع القرب النوافل فإنها من آثار الخشوع، ويدخل فيه التوبة مما اقترفه المرء من الكبائر إذ لا يتحقق الخشوع بدونها.

والتصدق: يحتوي جميع أنواع الصدقات والعطيات وبذل المعروف والإرفاق.

والصوم: عبادة عظيمة، فلذلك خصصت بالذكر مع أن الفرض منه مشمول للإسلام في قوله: {إن المسلمين والمسلمات} ويفي صوم النافلة، فالتصريح بذكر الصوم تنويه به.

وحفظ الفروج: أريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه، وقد اندرج في هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلة لها.

وذكر الله كما علمت له محملان:

أحدهما: ذكره اللساني فيدخل فيه قراءة القرآن وطلب العلم ودراسته.وشمل ما يذكر عقب الصلوات ونحو ذلك من الأذكار.

والمحمل الثاني:الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه.

ويراعى في الاتصاف بهذه الصفات أن تكون جارية على ما حدده الشرع في تفاصيلها.

وعن ترتيب هذه الأوصاف في الآية:[6] أنه لما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان، فقال عاطفاً له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف.

ويلقانا مع الآية الكريمة سؤالان:[7]

أولهما: هل اجتماع هذه الأوصاف شرط في تلقّى الجزاء الذي وعد الله سبحانه وتعالى به، فى هذه الآية، أم أنه يكفى أن يحقق المرء وصفا واحدا منها، فيكون أهلا لتلقى هذا الجزاء؟وإذا كان ذلك كذلك، فلم تعددت هذه الأوصاف إذا كان واحد منها مغنيا عن غيره؟

والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن أي وصف من هذه الأوصاف إذا حققه المرء تحقيقا كاملا، كان في الوقت نفسه، محققا، جامعا للأوصاف الأخرى كلها..

فمثلا.. المسلم.. إذا حقق معنى الإسلام على تمامه وكماله، كان مؤمنا، وكان قانتا، وكان صادقا، وكان صابرا، وخاشعا، ومتصدقا، وصائما، وحافظا لفرجه، وذاكرا لله كثيرا.. وهكذا.. المؤمن.. يكون مسلما، ويكون قانتا، وصادقا، وصابرا، وخاشعا، ومتصدقا، وصائما، وحافظا لفرجه، وذاكرا لله كثيرا..

ومثل هذا كل وصف تحققه المرء من هذه الأوصاف على وجهه كاملا، فإنه تتحقق معه الأوصاف التسعة الأخرى.. لأن كماله إنما يقوم على هذه الأوصاف كلها..

وأوضح من هذا أن هذه الأوصاف يغذّى بعضها بعضا، ويمسك بعضها ببعض، فتبدو كأنها صفة واحدة، إذا نظر إليها باعتبار، وتبدو كأنها أوصاف إذا نظر إليها باعتبار آخر.. إنها أشبه بالجسد الحىّ.. إذا نظرت إليه مجملا وجدت ذلك الإنسان، المشخّص بذاته، وصفاته، وإذا نظرت إليه مفصلا، وجدته ذلك الإنسان المشخّص بذاته وصفاته.. وملاك الحياة في هذا الجسد هو القلب، كما أن ملاك تلك الأوصاف، هو الإيمان المستقر فى هذا القلب!

والسؤال الثاني، الذي يلقانا من هذه الآية الكريمة، هو: هل هذا الجمع لتلك الصفات منظور فيه إلى شىء أكثر من مجرد الجمع والحصر، دون مراعاة للترتيب، والتقديم والتأخير؟ وإذا كان هناك نظر إلى أكثر من مجرّد الجمع والحصر، فهل هذا الترتيب تصاعدى أم تنازلى؟

والجواب- والله أعلم- أن جمع هذه الأوصاف إنما هو من تدبير الحكيم العليم، وتعالت حكمة الله، وجلّ علمه عن أن يجىء تدبير من تدبير الله عن غير حكمة وعلم..!

فالإسلام- الذي جاء بدءا- هو أول درجات السّلّم، الذي يرقى فيه المرء إلى منازل الشريعة، وهو المدخل، الذي يدخل منه إلى دين الله..

والإيمان.. هو العروج بالإسلام إلى موطنه من القلب.

والقنوت.. هو استجابة القلب، وتقبله لهذا الإيمان الذي استقر فيه واطمأن به.

والصدق.. هو نبتة نبتت من بذرة الإيمان في القلب..

والصبر.. هو الغذاء الذي تغتذى منه تلك النبتة، حتى تقاوم الآفات التي تعرض لها، وحتى تعطى الثمر المرجوّ منها..

والخشوع- وهو الولاء لله، والامتثال لأمره- هو أول ما تفتّح من زهر بيد الصبر..

هذا ويلاحظ أن هذه الأوصاف الستة إنما يكتسبها الإنسان من داخل نفسه، وفي حدود ذاته، فيما بين اللسان والقلب.. وهى في مجموعها، الرصيد المودع في قلب الإنسان من قوى الإيمان، ومنها ينفق فيما يعالج من شئون يستكمل بها تلك الأوصاف العشرة، ويوفّى منها مطلوب دينه وشريعته، منه..

فالصوم. والتصدق، وحفظ الفرج، وذكر الله.. هى أعمال تستلزم سلطان القلب، وخدمة الجوارح..

وبهذا نرى أن هذه الصفات بناء متكامل، يقوم بعضه على بعض، ويستند التّالى منه إلى السابق، بمعنى أنّ هذا الترتيب الذي جاءت عليه هو أمر لازم، لكى يتألف منها هذا النغم المتساوق الذي يقيم في كيان الإنسان إيمانا صحيحا، مثمرا..

وليس يعنى هذا، أن الإنسان يلقى هذه الصفات واحدة واحدة، وأنه كلّما حصل على صفة منها مدّ يده، أو فتح قلبه، إلى صفة أخرى.. كلا، وإنما الذي يعنيه هذا الجمع، وهذا الترتيب معا، هو أن المؤمن الجدير بهذا الوصف، المستحق للجزاء الموعود به المؤمنون من ربّهم، هو الذي يحقق هذه الصفات، فيكون مسلما، مؤمنا، قانتا.. إلى آخر الأوصاف العشرة..

وفي الختام:{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان.

فجازاهم على عملهم ” بِالْمَغْفِرَةِ ” لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات. {وَأَجْرًا عَظِيمًا} لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم[8].

قال ابن عاشور رحمه الله: “لأن الأجر العظيم يصلح لأن يعطى لكل واحد ويقبل التفاوت، فيكون لكل من أصحاب تلك الأوصاف أجره على اتصافه به، ويكون أجر بعضهم أوفر من أجر بعض آخر”[9]

ومن هدايات الآية: بشرى المسلمين والمسلمات بمغفرة ذنوبهم ودخول الجنة إن اتصفوا بتلك الصفات المذكورة في هذه الآية، وهي عشر صفات أولها الإسلام وآخرها ذكر الله تعالى.

وكذا فضل الصفات المذكورة إذ كانت سبباً في دخول الجنة بعد مغفرة الذنوب.

وتقرير مبدأ التساوي بين الرجال والنساء في العمل والجزاء في العمل الذي كلف الله تعالى به النساء والرجال معاً وأما ما خص به الرجال أو النساء فهو على خصوصيته {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} والله يقول الحق ويهدي السبيل.

جمع وتركيب: د.يوسف الحزيمري

الهوامش:

  1. تفسير الألوسي = روح المعاني (11/ 202)
  2. تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 665)
  3. في ظلال القرآن (5/ 2862)
  4. تيسير التفسير للقطان (3/ 108، بترقيم الشاملة آليا)
  5. التحرير والتنوير (22/ 23)
  6. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (15/ 351)
  7. التفسير القرآني للقرآن (11/ 709)
  8. تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 665)
  9. التحرير والتنوير (22/ 25)

 

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى