حسن توديع شهر رمضان

ها نحن نودع رمضانَ المبارك بنهارِ الجميل ولياليه العطرة، ها نَحن نودع شَهر القرآن والتقوى والصبر والرحمة والمغفرة والعتق من النار… فيا أسفا على رحيلك يا رمضان، كان نهارك صدقة وصياما، وليلك قراءة وقياما، فعليك منا تحية وسلاما.

 هذا سيدنا علي رضي الله عنه كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: “يا ليت شعري، مَن المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه”… نعم والله، يا ليت شعري، مَن المقبول منا فنُهَنِّئه بحسن عمله، ومن المطرود منا، فنعزيه بسوء عمله.

أيام مضت، صفحات طويت، حسنات قيدت، صحائف رفعت، وها قد حان وقت الرحيل.

ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة، فقدْ كنا في شوق للقائِه، نتحرى رؤيةَ هلاله، ونتلقى التهاني بمقدمه، وها نحن في آخر ساعاته، نتهيأ لوداعه، وهذه سنة الله في خلقه، أيام تنقضي، وأعوام تنتهي، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

كان حال الصالحين عندَ وداع رمضان في خوفٍ ودعاء: خوف من رد العمل، ودعاء بالقَبول من ذي الجود والكرم؛ يقول المولى – عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ [المؤمنون: 60]؛ أي: يعملون الأعمال الصالحة وقلوبهم خائفة ألا تقبَل منهم.

ويقول الحافظُ ابن رجب – رحمه الله – في ذلك: “السلَفُ الصالِح يجتهدون في إتْمام العمل وإكماله وإتْقانه، ثم يهتمُّون بعدَ ذلك بقَبوله، ويخافون مِن ردِّه، وهؤلاء الذين قال الله عنهم: ﴿ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ [المؤمنون: 60]”.

وقد ذكر العلماء علامات لقَبول العمل، مِن أبرزها إتباع الحسنةِ بالحسنة، والثبات على الطاعات بعد رمضان، فرب رمضان هو رب سائر شهور العام.

ومن أعظم ما يتبَع به شهر رمضان صيام السّت مِن شوال؛ يقول المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم -: (مَن صامَ رَمضان وأتْبعَه ستًّا مِن شوَّال، كان كصيامِ الدَّهْر).

كرم الله عليكم أن فتح لنا باب التوبة من الخطيئة والزلل، وبشرنا بأنه يقبل ويضاعف المثوبة على صالح العمل وقال في محكم المنـزل منه ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾، وتهدد في صريح تنـزيله بقوله ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ وأخبر أنه تعالى يحب التوابين والمحسنين، ولا يحب الظالمين ولا يصلح عمل المفسدين.

إن صدقة الفطر عبادة جلية وشعيرة محلية وهي بعدد رؤوس أهل البيت ومن يموتون فيخرج عن كل شخص صاعا مما تأكلون، تعطى لصنفين من أهل الزكاة هما الفقراء والمساكين، ليلة العيد وقبل صلاة العيد ويجوز أن تخرج قبله بيوم أو بيومين.

وعلينا بالتكبير ليلة العيد وقبل وأثناء صلاة العيد فإن الله تعالى قد أمرنا أن نكبر على ما هدانا وجعله من الشكر له على ما أعطانا ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.

لا تزال الفرصة قائمة فيما تبقى من الليالي والأيام، ولا تزال أبواب السماوات مفتوحة لرفع الدعوات، ولا تزَل الملائكة حاملة أقلامَها لتكتُب الحسنات والأعمال الصالحات، ولن يمَل موفّق من خير حتى يكون منتهاه الجنة.

لئن أوشك شهر رمضان أن ينقضي، فإن زمن العمل لا ينتهي إلا بالموت، ولئن أوشك صيام رمضان أن ينقضي، فإن الصيام لا يزال مشروعًا في عامة الأوقات، ولئن أوشك قيام رمضان أن ينقضي، فإن قيام الليل لا يزال مشروعاً سائر العام.

وإِذا كان المسلِم في رَمضان مَأمورا بِالصيام عن بعض الحلال كالطعام والشراب، فليستشعر أَّنه مأمور على الدوام بِصيام جوارحه عن الحرام.

إن ذوْق طعم الإيمان ولَذة الطاعة، هي السر في الاستمرار وعدم الانقطاع، ولكن قد يفْتر المسلم ويضعف، ولكنه لا ينقطع العمل؛ قال ابن القيم: “تَخَلُّل الفترات للسالكين أمرٌ لازمٌ لا بدَّ منه، فمَن كانت فَتْرَتُه إلى مُقاربة وتسديدٍ، ولَم تُخرجه من فرضٍ، ولَم تُدخله في مُحرَّم، رُجِي له أن يعودَ خيرًا مما كان”.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى