ليلة النصف من شعبان.. حكمها وفضلها

هل ليلة النصف من شعبان لها فضل؟

والجواب: قد ورد في فضلها أحاديث صحح بعض العلماء بعضا منها وضعفها آخرون وإن أجازوا الأخذ بها في فضائل الأعمال. ومنها حديث رواه أحمد والطبراني “إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شَعْرِ غَنَمِ بني كلب، وهي قبيلة فيها غنم كثير”. وقال الترمذي: إن البخاري ضعفه.

ومنها حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننت أنه قد قُبِضَ، فَلَمَّا رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال: “يا عائشة ـ أو يا حُميراء ـ ظننت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خَاسَ بك”؟ أي لم يعطك حقك. قلت: لا والله يا رسول الله ولكن ظننت أنك قد قبضتَ لطول سجودك، فقال: “أَتَدْرِينَ أَيُّ ليلة هذه”؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال “هذه ليلة النصف من شعبان، إن الله عز وجل يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر للمستغفرين ، ويرحم المسترحِمِينَ، ويُؤخر أهل الحقد كما هم” رواه البيهقي من طريق العلاء بن الحارث عنها، وقال: هذا مرسل جيد.

وروى ابن ماجة في سننه بإسناد ضعيف عن علي ـ رضي الله عنه ـ مرفوعا ـ أي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا لَيْلَهَا وصُوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيه الغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مُبْلًى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر”. بهذه الأحاديث وغيرها يمكن أن يقال: إن لليلة النصف من شعبان فضلاً، وليس هناك نص يمنع ذلك، فشهر شعبان له فضله روى النسائي عن أسامة بن زيد ـرضي الله عنهما ـ أنه سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: لم أَرَكَ تصوم من شهر من الشهور، ما تصوم من شعبان قال “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يُرفع علمي وأنا صائم”.

هل كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحتفل بليلة النصف من شعبان؟

ثبت أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ احتفل بشهر شعبان، وكان احتفاله بالصوم، أما قيام الليل فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان كثير القيام بالليل في كل الشهر، وقيامه ليلة النصف كقيامه في أية ليلة. ويؤيد ذلك ما ورد في الأحاديث السابقة وإن كانت ضعيفة فيؤخذ بها في فضائل الأعمال، فقد أمر بقيامها، وقام هو بالفعل على النحو الذي ذكرته عائشة. وكان هذا الاحتفال شخصيًا، يعني لم يكن في جماعة، والصورة التي يحتفل بها الناس اليوم لم تكن في أيامه ولا في أيام الصحابة ، ولكن حدثت في عهد التابعين. يذكر القسطلاني في كتابه “المواهب اللدنية” ج2ص 259 أن التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول كانوا يجتهدون ليلة النصف من شعبان في العبادة، وعنهم أخذ الناس تعظيمها، ويقال إنهم بلغهم في ذلك آثارٌ إسرائيلية. فلما اشتهر ذلك عنهم اختلف الناس، فمنهم من قبله منهم، وقد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبي مُلكية، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة. ثم يقول القسطلاني: اختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولينِ، أحدهما: أنه يُستحب إحياؤها جماعةً في المسجد، وكان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويَتبخَّرُونَ ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة : ليس ذلك ببدعة،نقله عنه حرب الكراماني في مسائله. والثاني: أنه يكره الاجتماع في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصَّة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم. ولا يُعرف للإمام أحمد كلام في ليلة النصف من شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في روايةٍ لم يُستحب قيامها جماعة، لأنه لم ينقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أصحابه فِعلها، واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن زيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين، وكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أصحابه، إنما ثبت عن جماعة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام، انتهى. ملخصًا من اللطائف. هذا كلام القسطلاني في المواهب.

وخلاصته أن إحياء ليلة النصف جماعةً قال به بعض العلماء ولم يقل به البعض الآخر، وما دام خلافيا فيصح الأخذ بأحد الرأيين دون تَعَصُّبٍ ضد الرأي الآخر. وإحياء ليلة النصف من شعبان شخصيا أو جماعيا يكون بالصلاة والدعاء وذكر الله سبحانه، وقد رأى بعض المعاصرين أن يكون الاحتفال في ليلة النصف من شعبان ليس على النسقِ وليس لهذا الغرض وهو التقرب إلى الله بالعبادة، وإنما يكون لتخليد ذكرى من الذكريات الإسلامية، وهي تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى مكة، مع عدم الجزْم بأنه كان في ليلة النصف من شعبان فهناك أقوال بأنه في غيرها، والاحتفال بالذكريات له حُكمه.

هل هناك أسلوب معين لإحياء ليلة النصف من شعبان؟

إن الصلاة بنية التقرب إلى الله لا مانع منها فهي خير موضوع، ويُسن التنفل بين المغرب والعشاء عند بعض الفقهاء، كما يسن بعد العشاء ومنه قيام الليل، والدعاء في هذه الليلة لم يَرِد فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ لأن مبدأ الاحتفال ليس ثابتا بطريق صحيح عند الأكثرين، ومما أُثِرَ في ذلك عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ سمعته يقول في السجود ” أعوذ بعفو كمن عقابك وأعوذ برضاك من سَخَطِكَ، وأعوذ بك منك، لا أُحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك” رواه البيهقي من طريق العلاء كما تقدم.

موقع إسلام أون لاين (بتصرف)

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى