ملازمة الإستغفار

إن مقارفة الذنوب من أشد ما يحجب السالك عن الله تعالى ورحمته، وتوفيقه وهدايته؛ لأنها تستوجب له غضب الله وعقوبته له؛ ولهذا فإن أعظم طريق للتخلص منها دائمًا يكون بالاستعانة بتقوى الله تعالى في الظاهر والباطن، وملازمة التوبة في كل حين، وقد أمَرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالتوبة والإنابة والاستغفار دائما؛ قال ابن القيم: “ومَنزِل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزلٍ آخَرَ ارتحل به واستصحبه معه، ونزل به؛ فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وقد قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]”.

فالذنوب سبب سخط الله تعالى؛ كما قال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف: 55]، والاستغفار يرفع سخط الله سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33]، فالتملُّق لله تعالى والاستغفار له هو الموجب لرفع آثار الذنوب.

ولهذا ينبغي أن يتحفظ المسلم من الذنوب ابتداء، وإذا ألَم بشيء من الذنوب؛ فإنه يكون وسطا؛ وَجِلاً من ذنوبه، وأيضاً غير قانط من رحمة الله تعالى، قال الله تعالى – مُحذرا عباده من القنوط: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، قال الشوكاني – رحمه الله -: (هذه الآية أرجى آيةٍ في كتاب الله سبحانه؛ لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا أضافَ العباد إلى نفسه لقصد تشريفِهم ومزيدِ تبشيرهم، ثم وصَفَهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقَّب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المُسْتَكثِرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمُذنبين غيرِ المسرفين من باب الأَولى… فيا لها من بِشارَةٍ ترتاح لها قلوبُ المؤمنين المُحسِنين ظنَّهم بربِّهم، الصادقين في رجائه )[3].

إن الاستغفار والمداومة عليه من موجبات التوبة ومغفرة الذنوب، والتائب الصادق يخلص نفسه دائمًا، إما بالتوبة من ذنبٍ وقَع فيه، وزلَّت قدمُه، فيكون – كما سبق – بالندمِ والإقلاع والصدق وغيره، وإما بملازمة الاستغفار وجرَيانه على قلبه ولسانه؛ لأن الاستغفار في ذاته توبة ورجوع، وطلبٌ للغفران الدائم من الله تعالى.

وكفى بملازمة الاستغفار وكثرتِه تهذيبًا وتنقيحًا للسائر إلى الله تعالى؛ لأن ملازمةَ الاستغفار تُورِث الصادقَ المستغفر عدةَ أمور جليلة، نذكر منها:

الأول: إظهار فقره الدائم لله رب العالمين، في كل وقت من أوقاته، وذرة من ذراته؛ فالله هو الرب الغني المالك، المدبر لكل شؤون العباد والخَلق، وكلنا محتاج وفقير إليه، والاستغفار هو نوعٌ من الافتقار إليه بطلب العفوِ عن الزلل منه، وستر القبيح من الفِعال والأحوال، وهذا السِّتر والغفران والعفو لا يقدِر عليه إلا الله، فليس لنا من إله سواه يغفر ويعفو ويصفح، سبحانه وبحمده.

الثاني: البصيرة في الإيمان، والعلم والعمل وسائر الأمور؛ لأن الذنوبَ حجاب عن نور الله وهُداه، وحجاب عن رؤيةِ الخير والإيمان، والاستغفار لا ريبَ هو دواء الذنوب وعلاجُها، ونور القلوب وجلاؤها من الرَّان والغفلة والهوى، فبِهِ يستعين التائب بالله، وبه تزول القواطع والأكدار؛ فالاستغفار يورِثُ المستغفرَ البصيرةَ والهدى؛ فهو على نور من ربه، بل ويفتح الله له في العلم ما لم يفتح به من قبلُ لولا استغفاره، كما ذُكِر عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان إذا أغلق عليه مسألة، قام يستغفرُ ويُكثر منه، ويعفِّر وجهه بالتراب حتى يفتح الله له.

الثالث: فتح أبواب الرزق والعلم وكنوز الأخلاق له؛ لأن الاستغفار وإن كان توبةً، فهو في ذاته استعانةٌ بالله من العبد على إصلاح أحواله وأعماله، وقلبه وجوارحه، ومتى استعان العبد بالله صدقًا، أعانه الله حقًّا وفضلاً، وجاء في الحديث أن الاستغفار يرفَع الهمومَ والغموم، ويُذهِب الضوائق والشدائد، ويأتي بالفرج؛ لأنه نوع استعانة بالله تعالى، وإن كان في الحديث نوعُ ضعف، إلا أن عموم الأدلة الأخرى يدل عليه.

الرابع: أن يُكتَب العبدُ المستغفر من الذاكرين؛ لأن الاستغفار ضرب من ذكر الله تعالى، والتعلق به في كل حال وعمل، وكفى بهذا عند الله تعالى رِفعة للمستغفر؛ أن يُكتَب مع الذاكرين لله ربِّ العالمين، وتعرِفه الملائكة الكرام بكثرة ما يكتبون له من الذِّكر والتوبة والاستغفار، ويحبُّون منه ذلك على جميع أحواله وعباداته.

ولو كان أحد يستغني عن الاستغفار لاستغنى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل: (وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) رواه البخاري. قال تعالى: ﴿ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 25] والأوَّاب: هو الرَّجَّاع إلى الله تعالى في جميع الأوقات، فَمَن اطَّلع اللهُ على قلبه، وعَلِمَ أنه ليس فيه إلاَّ الإنابة إليه، ومَحبَّته، ومَحبَّة ما يُقرِّب إليه؛ فإنه – وإِنْ جرى منه في بعض الأوقات ما هو مُقتضى الطبائع البشرية – فإنَّ الله تعالى يعفو عنه، ويغفر له الأمورَ العارِضَة غيرَ المُستقِرَّة.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى