دور الشورى في حياة المسلم

عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في مكان في غزوة بدر قال له الخباب بن المنذر: (يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلت أهو وحي لا نتقدم عليه ولا نتأخر أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ بل هو الرأي والحرب والمكيدة فقال يا رسول الله هذا ليس بمنزل نتحول عنه إلى مكان كذا نجعل آبار بدر خلفنا نشرب ولا يشربون ونسقي ولا يسقون إلى آخر القصة…

فهؤلاء الصحابة الأجلاء تعلموا من دينهم أن فيه نوعين من النوازل، نوع فيه وحي لا يتقدم المسلمون عليه ولا يتأخرون، ونوع ليس فيه وحي قاطع فيسوغ أن يجتهدوا ويتشاوروا وما قرروه ان شاء الله يكون هو الشرع وهو السنة وهو واجب الوقت، ومعنى أنه لو شاء الله تعالى لفصل في كل الأحكام وبث في كل ما يقع فيه الخلاف، ولكنه رحمة للأمة وتوسعة عليها جعل هذه المنطقة واسعة وكبيرة وفيها من المرونة ما يجعل المسلمين ولله الحمد في سعة بعيدا عن الحرج والضيق، إذن دائما المسلمون عندهم ما يتشاورون فيه ودائما عندهم من النوازل ما يستدعون له الاجتهاد الجماعي، وهذا ما نفعله، فالجماعة المسلمة الأولى كان لها ما تحتاج إلى التشاور فيه لأنها كانت تريد نشر دين الله، وتريد إبلاغ كلمة الله، وتريد أن تكون كالمصباح ينير ما حوله ولهذا خير ما نؤطر به هذه الكلمة هي الآيات الكريمة التي وردت في سورة من القران تحمل اسم سورة الشورى حتى نرى كيف أن الحق سبحانه وتعالى عندما أثنى على هذا الخُلق من أخلاق الجماعة المسلمة في أي سياق ذكره، خلق التشاور الذي يتحرك في هذه المنطقة الثانية لأن المنطقة الأولى لا نتقدم فيها ولا نتأخر.

يقول الحق سبحانه وتعالى :”وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم”، لم تأت هذه الصفة معزولة ولكن بصفات قبلها ومتبوعة بأخرى، “وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين”.

نقتصر على صفتين اتصلتا بهذا الخلق، وهو خلق الشورى، عندما قال الحق:  “والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة”، إذن نحن عندما نستجيب لدعوة المسؤولين الذين يشرفون على عملنا ويؤطرون هذا الملتقى هذه الاستجابة التي أتت به إلى هذا اللقاء المبارك مسبوقة بثلاث استجابات قبلها:

الاستجابة الأولى هي الاستجابة للإسلام وللإيمان، عندما استجاب لله عز وجل لما دعاه أن يكون مسلما وأن يكون عبدا له، وأن يختار طريق العبودية وأن يصرف النظر عن الاختيارات الأخرى التي تعج بها الأرض وتقاسم البشر، فاختار الاستجابة لله عز وجل، “ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار”.

والاستجابة الثانية عندما استجاب لنداء آخر، “يا أيها الذين آمنوا”، هذه استجابة ثانية نودي بها المومنون “يا أيها الذين امنوا كونوا أنصارا لله كما قال عيسى للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله”، وإذا كان النداء الأول الاستجابة له هي الهجرة إلى الله والفرار إلى الله، والسعي لإرضاء الله تعالى وإرضاءه في عبادته الإيمان هو الاستقامة على دينه، فإن النداء الثاني هو النصرة، أن يكون داعيا إلى الله إلا يقف هذا الخير عنده، ألا يبخل عليه بما معه، ألا يكون أنانيا يريد آن ينجو وحده ويريد أن يفك رقبته من النار وحده.

والاستجابة الثالثة هي عندما اختار هذه الحركة، نظر فيما هو موجود في وطنه والأنوار لا تتزاحم، ولكنه اختار هذه الحركة واستجاب لها راضيا واعيا، اختاره إطارا لنصرته هاته، أن ينصر الله ويعلي كلمته ويسهم في نشر دينه ويبذل ما في وسعه لإنقاذ أمته فاستجاب.

فلا بد أن تبقى هذه الاستجابات الثلاث حاضرة في أذهاننا،  فما هذه الاستجابة التي أتت بنا إلا فرع لاستجابات مبدئية تقوي وتثبت وترسخ هذا الاختيار، قال تعالى :”والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم” لأنه عندما يستجيب المسلم ويجمعه مع من يحمل نفس همه ويفكر نفس تفكيره، لا بد أن يكون لهم ما يتشاورون فيه، وأفضل شورى ما كان موضوعها نصرة لدين الله، وكانت ذات الإنسان خارجة منه ومصلحته الخاصة بعيدة عنه، تشاور من أجل الدين ومن أجل الأمة، وهذا والحمد لله الذي نفعل في لقاءاتنا وقد لا نسمي لقاءاتنا شورى،  ولا ونسمي ما يصدر فيها قرارات وتوصيات وهي في الحقيقة اجتهاد جماعي يسفر عن فتاوى في نوازل، نوازل تعرض لنا فنجتهد لها اجتهادا جماعيا يسفر عن فتاوى ولكن أن نسمي قرارات وتوصيات فلا مشاحة في التسمية، وحينما قال الله “وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بنيهم” تأكيدا على النوعين من مسائل الدين، فمنها مسائل وأمور لا نتقدم عليها ولا نتقدم وفيها أمور مجال التشاور فيها واسع فسيح، وإخواننا اختاروا شعار الدورة “واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” فإذن قبل أن يأتوا إلى تشاورهم ودورتهم ولقائهم أتوا متوضئين ساجدين أيديهم متوضئة وجباههم ساجدة، فكأنهم يتركون عند الصلاة رعونات النفس ويتركون عند الصلاة ومعيقات النجاح في الشورى وغيرها، وكلنا يعرف الفرق بين صلوا وبين وأقاموا الصلاة، فأقاموا الصلاة يتبعه أنهم يؤدونها في أوقاتها موافقة للشرع والسنة، خاشعة، ويؤدونها في جماعة المسلمين ما استطاعوا إلى ذلك ويؤدون فرائضها ويجتهدون في نوافلها، هؤلاء الذين يأتون ليتشاوروا استجابوا لله وأقاموا الصلاة.

وقد لا تظهر العلاقة بين إقامة الصلاة والتشاور ولكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والفحش هو الشيء الذي خرج عن حده، كلام فاحش، خطا فاحش، تدخل فاحش، بالفعل الصلاة تؤهل  المسلم للشورى، وفي كتب العلماء يقولون شروط الصحة وشروط القبول، فشروط صحة الصلاة هي دخول الوقت واستقبال القبلة وطهارة الثوب والبدن والمكان ورفع الحدث الأكبر والأصغر، ولكن هناك شيء زائد على شروط الصحة وهي شروط القبول، فقد تجتمع شروط الصحة وإن غاب شرط من شروط القبول ترد هذه الصلاة، طبعا شروط الصحة جزء من شروط القبول فلا تقبل الصلاة من محدث ولا من جنب ولا تقبل قبل وقتها، ولكن هناك شروط زائدة على شروط الصحة كالإخلاص فلو أتى بشروط الصحة وكانت صلاته رياء أو سمعة أو ليخفي وجها أخر له بين الناس فيتظاهر بالصلاة معهم حتى لا يعرفوا وجهه الآخر، فهذا لا تقبل منه ولو جاء بكل شروط الصحة، فشروط القبول بعضها له علاقة بالصلاة وبعضها خارج الصلاة، ومنها شرط يبين الصلة في قوله تعالى “وأقاموا الصلاة” وقوله “وأمرهم شورى بينهم”، قال عليه الصلاة والسلام : (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم ومنهم أخوان متصارمان (متقاطعان)  فحتى يحصل تبادل التأثير والتأثر بين الصلاة والشورى كيف جعل شرطا من قبول الصلاة صفاء القلوب وعدم التدابر والتقاطع إذ لا تستقيم هذه الشورى بالتدابر والتقاطع والتحاسد والتباغض.

أدعو الله تعالى أن يجمع لنا هذه الصفات وهي عشر صفات ولولا ضيق الوقت لتحدثنا عن كل واحدة على حدى وتلاوتها تكفي، قال تعالى :”وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين”.

نسأل الله تعالى أن يبارك في لقاءنا حتى يحقق مقاصده وأهدافه والحمد لله رب العالمين.

الدكتور محمد عز الدين توفيق

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى