رفض واسع لإلغاء الخيار العربي وفرض “فرنسة” المواد العلمية بالتعليم الإعدادي

تُخيِّم حالة من الجدل والرفض التربوي والمجتمعي الواسع في المغرب عقب إقدام وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على إلغاء أقسام المسلك العام باللغة العربية وفرض “المسلك الدولي – خيار فرنسية” لتدريس المواد العلمية والتقنية بالسلكين الإعدادي والثانوي في عدد من المدن.
وتفاجأت آلاف الأسر وآباء وأولياء التلاميذ بتوجيه أبنائهم الناجحين في المستوى السادس الابتدائي نحو خيار التدريس باللغة الفرنسية رغما عنهم ودون مراعاة لرغباتهم المعلنة، مما أثار موجة استياء وحركات تكتل رافضة لما وصفوه بمصادرة حق المتعلمين في اختيار لغة التعلم وتجاوز المقتضيات الدستورية المؤطرة للمنظومة التعليمية .
صدمة الأسر ومبادرات ميدانية لرفض فرض الخيار الفرنسي
وعبرت قطاعات واسعة من أمهات وآباء وأولياء التلاميذ عن حالة من الصدمة والغضب الشديد جراء وضعهم أمام الأمر الواقع وتحويل مسار أبنائهم التعليمي القسري نحو المسلك الدولي باللغة الفرنسية، رغم إبدائهم الصريح لرغبتهم في متابعة الدراسة بالمسلك العام باللغة العربية.
وأطلق الآباء حملات تضامنية وشعارات رفعوا فيها مطالب صريحة تحت عنوان “آباء ضد فرض الخيار الفرنسي بالسلك الإعدادي” على منصات التواصل الاجتماعي، متمسكين بحق أبنائهم الأصيل في التعلم بلغتهم الأم وضمان تعليم جيد ومتوازن يراعي حرية الاختيار.
وتجسد هذا الغضب الشعبي في الإقدام المباشر لعدد من أولياء الأمور على تقديم شكايات رسمية موجهة إلى المديرين الإقليميين لوزارة التربية الوطنية، معتبرين أن قرار فرنسة العلوم قسرا يفتقد للسند القانوني ومطالبين بالتراجع الفوري عنه وإعادة فتح أقسام المسلك العربي بالمؤسسات التعليمية.
تحذيرات رسمية للأولياء من تدني المكتسبات وتصاعد الهدر المدرسي
وعلى المستوى التنظيمي، أطرت “الكونفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ بالمغرب” انطباعات ومخاوف الأسر عبر وجه مراسلة رسمية إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، تنبه فيها إلى الأبعاد الخطيرة لتوجيه التلاميذ الناجحين في الابتدائي نحو المسلك الدولي ضدا على رغباتهم المعبر عنها.
وأكدت الكونفدرالية أن التتبع الميداني لنتائج السنوات الأخيرة أظهر رصدا ملموسا لتدن حاد في مكتسبات التلاميذ وتزايدا مخيفا في معدلات الهدر المدرسي الناجم عن إكراه المتعلمين على خيار لغوي يعجزون عن استيعابه.
وشددت الهيئة المؤطرة لأولياء الأمور على ضرورة التدخل العاجل للحكومة والوزارة الوصية للحد من تفاقم هذه النتائج السلبية، والتوقف عن فرض التوجيه القسري، مع الامتثال الواجب لاحترام رغبات المتعلمين وأوليائهم وصيانة حقوقهم التربوية والدستورية.
احتجاجات ميدانية وعرائض حقوقية تندد بإكراه المتعلمين
وعلى مستوى الحراك الميداني، ندد “تكتل الأساتذة والطلبة والتلاميذ الرافضين لفرنسة التعليم”، برئاسة منسقه الوطني يوسف بن العيساوي، بهذا القرار الشمولي الذي استهدف بشكل خاص مدينة طنجة ومدناً أخرى عبر التجريف الكلي لأقسام الخيار العربي في السنة الأولى إعدادي.
واعتبر المعنيون إكراه المتعلمين على الدراسة بالفرنسية جريمة تربوية ودستورية تسلب الطفل حقه في التعلم بلغة بلده الرسمية، داعين الأسر لسلوك كافة المساطر القانونية والدستورية وإلزام مديري المؤسسات بإعادة فتح أقسام المسلك العام، فضلا عن المطالبة بإتاحة تدريس المواد العلمية باللغة العربية في الثانوي والجامعات والمعاهد العليا.
تحذيرات بيداغوجية من مصادرة الاختيار وانعكاسات “بيزا” الكارثية
وفي الجانب البيداغوجي، حذر أطر ومفتشون تربويون من التبعات الخطيرة لهذا التعميم الإجباري، حيث أكد المفتش التربوي للتعليم الثانوي عماد شوقي أن فرض خيار لغوي وحيد يفرغ مفهوم “الخيار” من معناه ويهدم مدخل “التربية على الاختيار” الذي يُعد ركيزة أساسية في المنهاج المغربي، موضحا أن المذكرات المنظمة كانت تقصد تعميم العرض المؤسساتي ليكون متاحا في كل مؤسسة لمن يرغب فيه لا إكراه جميع التلاميذ عليه.
من جهته، نبه رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية خالد الصمدي إلى أن التلميذ المغربي بات يعاني من حاجز لغوي مزدوج يمنعه من استيعاب المفاهيم العلمية المعقدة نتيجة ضعف التمكن من اللغة الفرنسية، وهو ما تفسره النتائج الصادمة لتقرير التقييم الدولي “بيزا 2025” (PISA) الذي صنف المغرب في المرتبة 82 من أصل 89 دولة.
وكشف التقرير الأممي أن 84% من التلاميذ المغاربة لم يبلغوا الحد الأدنى في الرياضيات، و87% عجزوا عن الوصول لمستوى القراءة المطلوب باللغة العربية، و77% في العلوم، معتبرين أن استمرار التدريس بالفرنسية وتهميش المواد الإنسانية كاللغة العربية والفلسفة والتربية الإسلامية يضعف كفايات الفكر النقدي والتحليل المتقدم ويفاقم معدلات الانقطاع عن الدراسة.
اختلالات تشريعية وتجاوز للمقتضيات الدستورية والقانون الإطار
وعلى الصعيد التشريعي والتنظيمي، شدد خبراء تربيون على أن إقدام الوزارة على فرنسة المواد العلمية يمثل خرقا صريحا للفصل الخامس من الدستور المغربي الذي ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، وتجاوزا لمقتضيات القانون الإطار رقم 51.17 والمتعلق بمرجعيات الإصلاح والهندسة اللغوية الوطنية.
وأبرز الخبراء أن تدريس العلوم بالفرنسية يمارس منذ إطلاق تجربة البكالوريا الدولية عام 2012 دون أن تكون هذه الهندسة اللغوية مؤطرة بسند قانوني صريح، في ظل تجميد وتهميش دور “اللجنة الدائمة للبرامج والمناهج” المسؤولة قانونا عن التقييم والتخطيط.
كما أشاروا إلى أن المذكرات التنظيمية الصادرة عن الوزارة لإرساء الدعم اللغوي وتصنيف التلاميذ إلى مستويات لغوية مختلفة تحاول علاج اختلالات بيداغوجية هيكلية بإجراءات ترقيعية خارج الإطار التعاقدي والقانوني، مما يجعل من فرض هذا الخيار قرارا مفتقدا للشرعية والمشروعية ويستوجب مراجعة شاملة تصون الهوية الوطنية وتحقق العدالة التربوية.




