التموضع الأممي الجديد لإفريقيا – نورالدين قربال

توطئة:
شكلت القارة الإفريقية دوما نقطة ضعف لدى الأمم المتحدة، باعتبارها حبلى بكل المصائب، لكن نلاحظ اليوم تحولات استراتيجية على مستوى القارة، وشكل المغرب دورا حاسما في هذا التحول خاصة منذ العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 عندما رفع جلالة الملك شعار رابح-رابح وعلاقة جنوب – جنوب. لقد أصبحت إفريقيا تشكل خيارا سياسيا ذا بعد استراتيجي، لذلك تعقد إفريقيا لقاءات دورية مع كل القوى العالمية التي تساهم في تشكيل القرار الاستراتيجي الدولي. بذلك دخلت القارة الإفريقية في تفاوض مع الأمم المتحدة من أجل أخذها بعين الاعتبار أثناء الهيكلة الجديدة المزمع القيام بها على المستوى الأممي. لكن السؤال الذي يطرح: لماذا صوتت الولايات المتحدة ضد هذا المشروع الاستراتيجي خاصة وأن لها علاقات جيدة مع القارة إضافة إلى الاستفادة منها وتنظيم لقاءات دورية بين الطرفين؟
أسس التموضع الإفريقي الجديد أمميا
لقد اقتنع المنتظم الدولي بالتحول الجيوسياسي استراتيجيا ودبلوماسيا للقارة الإفريقية، وأراد بأن لا يحرمها من الاعتراف الموضوعي الجغرافي وما يختزن من دلالات، وحسن التموضع العالمي، لذلك جاء التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية مريحة لهذا التموضع الجديد الذي دافعت عنه التوغو بإيعاز من الاتحاد الإفريقي. بذلك تتحرر القارة من الإهانة الرمزية والسيميائية التي عاشتها ردحا من الزمن.
إنه تحول خرائطي عالمي تحضر فيه إفريقيا بما يليق بمكانتها اليوم، يمتد هذا التحول استراتيجيا على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، والبيئي، والاقتصادي، والحضاري. إذن هذا تصور يتجاوز الأبعاد التقنية إلى توسعة في التصور لينعكس على الجغرافية السياسية استراتيجيا. إنه تجاوز للاعتبارات السواحلية التي سادت منذ القرن 16، لأن بوصلة التجارة الساحلية كانت تشكل التيمة المركزية في تلك الظروف.
إنه تحول يسعى إلى بسط قيمة التوازن بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب. إنه تحرر من الاحتلال الجغرافي إلى خرائط عادلة تعطي لكل ذي حق حقه. هذا ما اصطلح عليه بخريطة “إيرث إيكوال”. إن هذا القرار الصادر عن الجمعية العامة غير ملزم من الناحية القانونية، لكن بداية خريطة طريق تتيح للعالم البحث والتنقيب خاصة على مستوى البحث العلمي، والجغرافية الخرائطية والسياسات العمومية، مستفيدين من التطور المذهل للتكنولوجية الحديثة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد سكان القارة الإفريقية الذي تجاوز مليار ونصف نسمة.
يمكن اعتبار هذه المرحلة بمرحلة التحسيس، والتي تتلوها مرحلة التأسيس، ثم مرحلة التمكين حيث نطبع النظري مع الواقع العالمي. إن هذا القرار يحتاج إل مصاحبة سياسية وتقنية، وهذا ما تعتزم دولة التوغو القيام به بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي ومؤسسات إقليمية ودولية، من أجل بلورة تصور واضح بناء على قرار الجمعية العامة. إنه مجهود نفسي واجتماعي وعلمي، وتقني، وجيوسياسي، واستراتيجي.
الأفق المستقبلي للمشروع
سنأمل بخريطة جديدة تبرز حجم إفريقيا الحقيقي وإخراجه من المؤامرات الخفية ضد قارة فتية تتوق للوجود الحضاري المساهم في صناعة القرار الدولي، لقد آن الأوان لتقول إفريقيا كلمتها للعالم، خاصة وأن الجميع يعتبرها المستقبل لما تزخر به من إمكانات مادية وبشرية. في تقديري أن هذه مهمة غير سهلة، ويجب أن تعي الأجيال معناها وكنهها وأهميتها عن طريق التنشئة التربوية والسياسية والمدنية في أفق العمل على الاختيار الديمقراطي كأس من أسس السيادة الإفريقية.
لقد دقت ساعة الإنصاف لإعادة شيء من التوازن والعدل للكرة الأرضية، وخاصة إفريقيا التي عانت منذ قرون، ولن ينجح هذا المشروع إلا بالسواعد الإفريقية وشرفاء العالم، لأنه ما حك جلدك مثل ظفرك. يجب علينا أن نعمل سويا ونقول بصوت واحد: وداعا “ميركاتو” الذي عمر ردحا من الزمن ومرحبا بالرؤية الجديدة للخريطة المقترحة من قبل الأمم المتحدة. إذن يجب علينا أن نحين مناهجنا ومقرراتنا الجغرافية ورؤانا الجيوستراتيجية.
نخلص مما سبق أن القرار الأممي قرار تاريخي، وهذه بداية لتوظيف كل الآليات المتاحة من أجل إتمام هذا المشروع الاستراتيجي، لكن قبل كل هذا يجب على إفريقيا أن ترقى بالاختيار الديمقراطي، وتتجاوز الهوامش الجانبية وترتب صفها الداخلي بالتضامن والتعاون، ولنحذر من التأثيرات الخارجية التي تريد أن تظل إفريقيا على حالها، لأن إفريقيا غنية وأغلب شعوبها فقيرة، فهل نحن نتوفر على إرادة سياسية لتحقيق حلم إفريقيا الذي طالما حلمت به الأجيال؟




