أخبار عامةالرئيسية-هيئاتنا الجهوية

مركز عبد الله بن ياسين يناقش موضوع السيرة النبوية وقضايا العصر ومنهجية التعامل مع السنة

نظم مركز عبد الله بن ياسين للتكوين والتدريب التابع لحركة التوحيد والإصلاح بجهة الوسط مساء السبت 18 يوليوز 2026، دورة مفتوحة ضمن دورات المركز عن بُعد عبر تطبيق «زوم» تحت عنوان: «السيرة النبوية وقضايا العصر: منهجية التأصيل ومهارات الرد على الشبهات»، أطرها فضيلة الدكتور إدريس العلمي السجلماسي، أستاذ علوم القرآن وعلوم الحديث والعقيدة الإسلامية والسيرة النبوية.

منزلة السنة النبوية في الإسلام

استهل الدكتور إدريس العلمي السجلماسي مداخلته بالحديث عن منزلة السنة النبوية في الإسلام، وأكد أنها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وأن حجيتها ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.

وأوضح أن المسلمين أجمعوا على وجوب الرجوع إلى السنة النبوية في معرفة الحلال والحرام، وفهم أصول الدين وفروعه، باعتبارها البيان النظري لكتاب الله تعالى، والتطبيق العملي للإسلام.

السنة النبوية: منهج شامل ومتوازن وواقعي

وتوقف الدكتور إدريس العلمي عند أبرز سمات المنهج النبوي، موضحاً أن السنة، كما هو الشأن بالنسبة إلى القرآن الكريم، تقوم على الشمول والتكامل والتوازن والواقعية والتيسير.

فهي منهج شامل يستوعب حياة الإنسان في مختلف مراحلها ومجالاتها، ويتناول الجوانب الجسدية والعقلية والروحية، والظاهر والباطن، والقول والعمل والنية.

كما أنها منهج متوازن يوازن بين الروح والجسد، والقلب والعقل، والدنيا والآخرة، والمثال والواقع، والنظر والعمل، والحرية والمسؤولية، والفردية والجماعية، في إطار الوسطية التي تميز الأمة الإسلامية.
وهي كذلك منهج متكامل، يتكامل فيه الإيمان مع المعرفة، والوحي مع العقل، والتشريع مع التربية؛ فالتربية تُعنى بالتكوين والتأسيس والتوجيه، بينما يتولى التشريع الصيانة والإلزام والتأديب عند الحاجة.

أما واقعيتها، فتتجلى في تعاملها مع الإنسان باعتباره بشراً يخطئ ويصيب، ويضعف ويقوى، ويعثر ثم ينهض، وله غرائزه وحاجاته وتطلعاته الروحية. ولذلك راعت السنة طبيعة الإنسان وضعفه، وشرعت الرخص عند وجود الضرورة والحاجة.

كما اتسمت السنة بالتيسير ورفع الحرج، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، ومع قول النبي ﷺ: «إنما بُعثت ميسِّرًا، ولم أبعث معسِّرًا».
وأكد العلمي أن السنة النبوية، بما تتميز به من شمول وتكامل وتوازن وواقعية وتيسير، تفرض على المسلمين حسن معرفتها وفقهها، وحسن تنزيلها على الواقع، خاصة في ظل ما وصفه بـ«أزمة الفهم»، التي تعد من أبرز أزمات المسلمين في العصر الراهن.

تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين

وتناول الدكتور إدريس العلمي السجلماسي المخاطر التي تهدد الفهم الصحيح للسنة النبوية، مستحضراً الحديث الشريف: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين».

وأوضح أن الغالين يحرفون ما جاءت به السنة، وأن المبطلين ينسبون إلى الدين ما ليس منه، بينما يتأول الجاهلون النصوص على غير وجهها الصحيح.

وأشار إلى أن علماء أهل السنة تصدوا لهذه الآفات، ولا سيما انتحال أهل الباطل، فعملوا على حراسة السنة وصيانتها، ولم يقبلوا حديثاً دون إسناد، كما لم يقبلوا إسناداً إلا بعد البحث في رجاله ومعرفة أحوالهم وطبقاتهم وشيوخهم وتلاميذهم، والتحقق من إمكان اللقاء والسماع بينهم.

وأشاد بالمجهودات الكبرى التي بذلها أئمة الحديث ونقاد السنة في تنقية المرويات، وتمييز الصحيح من السقيم، ورد كل ما حاول أهل الباطل إدخاله في السنة مما ليس منها، مؤكداً أن علماء الأمة وضعوا، إلى جانب قواعد التثبت من الرواية، أصولاً علمية دقيقة لفهم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، ولا سيما في علم أصول الفقه.

التثبت من ثبوت السنة: أول مبادئ التعامل معها

وانتقل المحاضر إلى بيان المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم تعامل المسلم مع السنة النبوية، فاعتبر أن التثبت من ثبوت الحديث يأتي في مقدمة هذه المبادئ.

وأوضح أنه لا يجوز قبول حديث للعمل به أو نسبته إلى رسول الله ﷺ قبل التحقق من صحته وثبوت نسبته إليه، فإذا ثبت الحديث قُبل، وإذا تبين ضعفه أو وضعه رُدَّ، ولا تجوز رواية الحديث الضعيف أو الموضوع إلا مع بيان حاله والتحذير منه.

وأشار إلى أن علماء الإسلام أفنوا أعمارهم في طلب الحديث وجمعه ودراسته وتمييز صحيحه من سقيمه، وأنهم أسسوا لذلك علماً مستقلاً هو علم مصطلح الحديث وعلومه.

عبقرية الإسناد وخصوصية الأمة الإسلامية

وتوقف الدكتور إدريس العلمي السجلماسي عند قضية الإسناد، واصفاً إياه بأنه من أعظم الخصائص التي تميزت بها الأمة الإسلامية في حفظ سنة نبيها ﷺ.

وأوضح أن علوم الحديث بدأت في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، وأن أول علوم الحديث نشأة هو علم الرواية، إذ لا يمكن أن توجد بقية العلوم الحديثية دون نقل الروايات وتلقيها وأدائها.

كما أبرز عناية الصحابة رضي الله عنهم بالسنة، وحرصهم الشديد على التثبت في نقلها، مستشهداً بمواقف أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في طلب التثبت من الأخبار.

ومن ذلك قصة الجدة التي جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله عن ميراثها، فلم يجد في كتاب الله تعالى نصاً في ذلك، فسأل الناس، فشهد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فطلب أبو بكر شاهداً آخر، فشهد محمد بن مسلمة رضي الله عنه بمثل ذلك، فقضى لها بالسدس.

كما استحضر قصة أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في حديث الاستئذان، حين طلب عمر من أبي موسى أن يأتيه ببينة على الحديث، موضحاً أن ذلك لم يكن اتهاماً له، وإنما كان احتياطاً في نقل سنة رسول الله ﷺ، كما قال عمر رضي الله عنه: «أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ».

وأكد المحاضر أن هذا المنهج في التثبت كان من اللبنات الأولى التي تطورت لاحقاً إلى علوم الإسناد والجرح والتعديل ومصطلح الحديث.

من الفتنة إلى نشأة علم الإسناد والجرح والتعديل

وأوضح الدكتور إدريس العلمي السجلماسي أن الفتن التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولا سيما بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، دفعت العلماء إلى مزيد من التحري في قبول الروايات.

وبيّن أن العلماء أصبحوا يسألون عن سلسلة الرواة، ويتحققون من عدالتهم وضبطهم، وهو ما شكل أساس علم الإسناد والجرح والتعديل.

ثم تطورت علوم الحديث عبر مراحل متتالية، فبرز أئمة كبار في الرواية والدراية، كما برز أئمة كبار في نقد الرجال والجرح والتعديل، واستقرت قواعد هذا العلم، من الصحيح والحسن والضعيف، والمتصل والمنقطع، والشاذ والمنكر، وغيرها من المصطلحات والقواعد الحديثية.

وأكد أن جهود العلماء في جمع السنة وتمييز صحيحها من سقيمها تواصلت عبر القرون، حتى أصبح الإسناد من أعظم خصائص الأمة الإسلامية في حفظ تراثها النبوي.

حسن فهم السنة شرط لصحة الاستدلال

وأكد الدكتور إدريس العلمي السجلماسي أن التثبت من صحة الحديث لا يكفي وحده، بل لا بد من حسن فهم السنة النبوية.

وأوضح أن الفهم الصحيح يقتضي مراعاة دلالات اللغة العربية، وسياق الحديث، وسبب وروده، وجمع النصوص الواردة في الباب الواحد، وربطها بالقرآن الكريم وبمجموع السنة، مع مراعاة مقاصد الشريعة وأصولها الكلية.

وأشار إلى أن الخطأ قد لا يكون في ثبوت الحديث، وإنما في فهمه وتأويله، ولذلك قد يستدل شخصان بالحديث نفسه، فيصيب أحدهما في فهمه ويخطئ الآخر.
كما شدد على ضرورة التأكد من عدم وجود معارض أقوى للنص، سواء من القرآن الكريم، أو من سنة أصح، أو من قواعد الشريعة ومقاصدها، موضحاً أن ما يبدو تعارضاً بين النصوص يكون في كثير من الأحيان تعارضاً ظاهرياً يمكن الجمع بين الأدلة بفضل القواعد التي قررها علماء الأصول.

فهم السنة في ضوء القرآن الكريم

وفي هذا السياق، أكد الدكتور إدريس العلمي السجلماسي أن السنة النبوية لا تُفهم بمعزل عن القرآن الكريم، باعتبار القرآن أصل الدين ودستوره الأعلى، والسنة بياناً له وشرحاً لمجمله وتفصيلاً لأحكامه وتطبيقاً عملياً له.

وأوضح أنه لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن الكريم، وأن ما قد يبدو تعارضاً بين نص صحيح وآية قرآنية يعود إما إلى عدم ثبوت الحديث، أو إلى خلل في فهم النص، أو إلى كون التعارض ظاهرياً يمكن الجمع بينه.

وضرب مثالاً بحديث: «شاوروهن وخالفوهن»، مبيناً أنه حديث باطل لا يصح عن رسول الله ﷺ، رغم شيوعه على ألسنة بعض الناس ووروده في بعض كتب التفسير، مؤكداً أن مجرد ورود الحديث في كتاب من كتب التفسير لا يعني صحته، وأن الحكم على الأحاديث ينبغي أن يُرجع فيه إلى كتب الحديث وأقوال المحدثين.

كما أشار إلى أن السنة جاءت مبينة لما أجمله القرآن الكريم، مستشهداً بأحكام الزكاة في الزروع والثمار، حيث جاء القرآن الكريم بإثبات الحق الواجب في الخارج من الأرض، ثم بينت السنة تفاصيل ذلك وأحكامه.

جمع الأحاديث في الباب الواحد

ومن أهم القواعد التي أكد عليها المحاضر في فهم السنة النبوية: جمع الأحاديث الواردة في الباب الواحد، وحمل العام على الخاص، والمطلق على المقيد، والمجمل على المبين.

وضرب مثالاً بأحاديث إسبال الإزار، موضحاً أن الاقتصار على بعض الأحاديث دون جمع سائر النصوص قد يؤدي إلى فهم مبتور للنصوص.

فقد وردت أحاديث فيها وعيد شديد على الإسبال، كما وردت نصوص أخرى تقيد الوعيد بحالة الخيلاء والكبر، ومن هنا قرر عدد من كبار العلماء ضرورة جمع النصوص والنظر إليها في إطارها العام، وحمل المطلق على المقيد وفق القواعد العلمية المقررة.

وأكد أن هذه القاعدة تكشف أهمية عدم بناء الأحكام على حديث واحد مع إغفال بقية النصوص المتعلقة بالموضوع نفسه، لأن جمع الأدلة والنظر إليها نظرة متكاملة هو السبيل إلى الفهم الصحيح للسنة النبوية.

العلم والتأصيل والمنهجية في مواجهة الشبهات

وفي ختام مداخلته، أكد الدكتور إدريس العلمي السجلماسي أن التعامل الصحيح مع السنة النبوية يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية: التثبت من ثبوت الحديث، وحسن فهمه، والتأكد من سلامة الاستدلال به في ضوء مجموع النصوص ومقاصد الشريعة.

كما شدد على أن مواجهة الشبهات المعاصرة لا تكون بالانفعال أو الانتقائية، وإنما بالعلم والتأصيل والمنهجية، وبالرجوع إلى قواعد المحدثين والأصوليين والعلماء الراسخين، بما يضمن فهماً صحيحاً للسنة النبوية، ويحفظها من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

وتجدر الإشارة إلى أن مركز عبد الله بن ياسين يعد أحد مراكز التكوين التي تعتمدها حركة التوحيد والإصلاح بجهة الوسط للعناية بالعلوم الشرعية، وإعداد طالب العلم والداعية للقيام بوظيفة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

وتكتسي هذه المهمة أهمية بالغة، ولا سيما في هذه المرحلة التي تبرز فيها قضايا ومستجدات وآفات متعددة، ينبغي للعلماء والباحثين وطلبة العلم والدعاة أن يولوا لها عناية خاصة، من خلال التأصيل العلمي الرصين، والفهم المتوازن، والقدرة على تنزيل أحكام الشرع ومقاصده على واقع الناس ومستجدات العصر.

إبراهيم حليم

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى