الرئيسية-بالقرآن نحيادروس ومواعظمقالات رأي

د مصطفى قرطاح يكتب: الكتاب والبناء الحضاري للأمة الإسلامية – الحلقة الثالثة

   أدى تسمية كلام الله تعالى كتابا إلى وضع الأسس المتينة لرفع الأمة الإسلامية إلى مستوى الأمم المتحضرة، التي تسترشد بالعلم وبالمنهج العلمي، وتحفظ تراثها العلمي والفكري والثقافي من الضياع، إذ إن تلك التسمية لم تكن مجرد إطلاق اسم على شيء للتعريف به، بل جاءت لتدل الأمة الإسلامية على أن هذا ”الكتاب“ يراد منه نقل الأمة من حال الثقافة الشفهية المرسلة إلى حال الكتابة والتوثيق والتحقيق والسند المعرفي المتين، وقد أثنى الله تعالى على القرآن الكريم فقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 52]، وقال أيضا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1].

  ولتحقيق مراد الله تعالى في جعل كلامه كتابا حفَّ النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بمجموعة من الكتبة الذين يكتبون له ما ينزل من الوحي، وينقل الإمام البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بن عازب رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95]، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (ادْعُ لِي زَيْدًا، وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ، أَوِ: الْكَتِفِ وَالدَّوَاة، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ}[1]                                 

ولم يقف الأمر على الوحي فحسب، بل اتخذت الكتابة أداة لتوثيق العقود والمعاملات،كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة :282]، وهو الأمر الذي  أسهم إلى حد بعيد في حفظ الحقوق واستقرار المعاملات وتطويرها بما يحقق مصالح الناس.

 وقد أفضى تقسيم القرآن إلى سور وآيات إلى ترسيخ منهج تفصيل المصنفات  إلى كتب وأبواب وفصول بموجب القضايا العلمية التي تتناولها، وعلى أساس منهجي ييسر تناولها، و قد انعكس ذلك بشكل واضح في تصميف كتب الحديث النبوي ثم في كتب الفقه بعد ذلك، ثم اتسع ليشمل باقي العلوم ومصنفاتها.

ورسخ القرآن الكريم منهج استدعاء المصادر والمراجع المعرفية الموثقة عند التناظر والحجاج العلمي،كما في قوله تعالى:﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4]، فلم يعد للكلام المرسل المجرد عن مصدره أي قيمة حجاجية، وقل مثل ذلك عن الكلام الذي تعوزه الأدلة والبراهين، ولهذا كثر في القرآن الكريم التشنيع على اتباع الظنون إضافة إلى التنديد بما تتناقله الألسن دون بينة، قال الله تعالى:﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ [التوبة: 30]، وقال سبحانه:﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ [النساء: 157].

وهكذا كان “الكتاب” مصدر هداية للأمة الإسلامية، ومصدر إلهام لعلمائها في التأليف ومدارسة القضايا العلمية، واطراح اللغو وفضول القول، وهذا الجانب ينبغي إعادة الاعتبار له عند الحديث عن العودة إلى القرآن اهتداء واسترشادا، والحمد لله رب العالمين.

[1] صجيج البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب كاتب النبي صلى الله عليه وسلم.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى