د توفيق بنجلون: شباب بدون دراسة ولاتكوين مهني أكثر عرضة لخطابات اليأس والهجرة
طالب باستفادة جميع المغاربة من ثمار التنمية وحذر من وهم "الجنة الأوروبية"

أطر الدكتور توفيق بنجلون مساء الأحد 09 غشت 2026 محاضرة عن بُعد بعنوان “هل هي هجرة أم يأس وانتحار؟ من المسؤول؟” نظمها فرع يعقوب المنصور لحركة التوحيد والإصلاح بإقليم الرباط.
وحلل المحاضر ظاهرة الهجرة غير النظامية، ودوافعها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ومسؤولية الدولة والمجتمع في مواجهتها، مؤكدا أن الهجرة الجماعية- خصوصا في صفوف الشباب- لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد رغبة في السفر، وإنما باعتبارها في جزء منها تعبيرًا عن اليأس وانسداد الأفق.
ودعا إلى مقاربة شمولية للظاهرة تسعى لمعالجة أسباب العميقة، موضحا أن أوروبا كانت في مراحل سابقة في حاجة إلى اليد العاملة المهاجرة للمساهمة في بناء اقتصاداتها وبنيتها التحتية، لكن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية أدت إلى تغير طبيعة هذه الحاجة، فأصبحت الدول الأوروبية تبحث أكثر عن الكفاءات والعقول.
ثمار التنمية لم تصل إلى الجميع
أقر بنجلون بوجود تطور كبير في المغرب في مجالات الصناعة، والموانئ، والبنية التحتية، والسياحة، والطرق، وغيرها، لكنه تساءل عن مدى استفادة جميع المغاربة من ثمار هذه التنمية.
وأكد أن المواطن لن يشعر بالتنمية الحقيقية بمجرد وجود مشاريع كبرى في بعض المدن، بل عندما يرى عدالة مجالية تشمل مختلف المناطق، وتراجعًا في الفقر، وتحسنًا في التعليم والصحة، وتوفر مستشفيات ومدارس ومرافق عمومية ذات جودة.
واعتبر أن استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وضعف فرص الشغل والتكوين، يساهم في خلق شعور لدى فئات من الشباب بأن مستقبلهم يوجد خارج البلاد.
وربط المحاضر انتشار الهجرة غير النظامية بواقع فئة من الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يتلقون تكوينًا مهنيًا، معتبرا أن هذه الفئة تكون أكثر عرضة لخطابات اليأس والهجرة. وتحدث عن تحول الهجرة، لدى بعض الشباب إلى ما يشبه ثقافة جماعية، خصوصا في شمال المغرب، حيث يصبح الذهاب إلى أوروبا في نظر البعض شرطا لتحقيق النجاح وبناء المستقبل.
واستحضر في هذا السياق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والإشاعات، مشيرًا إلى واقعة انتشار خبر فتح حدود سبتة، وما ترتب عنه من اندفاع أعداد من الشباب والقاصرين نحو الحدود. واعتبر أن خطورة هذه الأخبار لا تكمن في الإشاعة وحدها، وإنما في وجود بيئة اجتماعية ونفسية تجعلها قابلة للتصديق، خصوصًا لدى شباب يعيشون حالة من اليأس وانعدام الأفق.
«الجنة الأوروبية».. صورة لا تعكس الواقع
قال بنجلون إن بعض الشباب يتصور أوروبا باعتبارها «جنة» تتوفر فيها الأموال والسكن والعلاج والنقل والخدمات، لكنه شدد على أن هذه الصورة لا تعكس الواقع كاملًا. وأوضح أن الحياة في أوروبا ترتبط بالقدرة على العمل، والمهارة، والتكوين، وإتقان اللغة، والقدرة على الاندماج، وأن من يهاجر دون مؤهلات قد يواجه صعوبات كبيرة في الحصول على عمل أو سكن مناسب.
وأشار كذلك إلى أن أنظمة الحماية الاجتماعية في عدد من الدول الأوروبية لم تعد بالمستوى نفسه الذي كانت عليه في السابق، وأن بعض الدول أصبحت أكثر تشددًا في سياسات الهجرة. وفي المقابل، لفت إلى أن بعض المقيمين في أوروبا يفضلون العودة إلى المغرب للاستفادة من بعض الخدمات، خصوصًا العلاج، بسبب انخفاض التكلفة وسرعة الحصول على المواعيد مقارنة ببعض الدول الأوروبية.
ورغم تشدد عدد من الحكومات الأوروبية، أكد بنجلون أن أوروبا ما زالت بحاجة إلى اليد العاملة، خصوصًا في ظل الشيخوخة ونقص العمال في قطاعات متعددة. وأشار إلى أن إسبانيا، مثلًا، اتخذت إجراءات لتسوية أوضاع عدد من المهاجرين، معتبرا أن الحاجة الاقتصادية إلى العمال تمثل أحد أسباب هذه السياسات.
لكنه أوضح أن صعود التيارات الشعبوية واليمينية أدى إلى تشديد الإجراءات تجاه المهاجرين القادمين من إفريقيا، مع توجه بعض الدول إلى تفضيل استقدام العمال من أوروبا الشرقية.
ودعا المحاضر إلى إعادة النظر في علاقة أوروبا بإفريقيا، مؤكدا أن المغرب لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد “حارس” للحدود الأوروبية. وقال إن معالجة الهجرة تتطلب أيضًا معالجة أسبابها في دول الجنوب، من خلال التنمية والاستقرار والشراكات الاقتصادية العادلة، بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية.
كما دعا إلى تغيير النظرة إلى إفريقيا باعتبارها مجرد مصدر للثروات الطبيعية، مؤكدًا أن الفقر والاضطرابات والتفاوت التنموي عوامل تدفع بدورها إلى الهجرة.
وفي ختام محاضرته، طرح بنجلون السؤال: كيف ننتقل من تشخيص ظاهرة الهجرة إلى علاجها؟
وأكد أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها، وإنما تشمل الأسرة، والأحزاب، والجمعيات، والمؤسسات الإعلامية والمجتمع ككل.
وشدد على أن معالجة الظاهرة تبدأ بتوفير فرص الشغل والتكوين، وتحقيق العدالة المجالية، وإصلاح التعليم والصحة، وتقوية أدوار الأسرة والمجتمع المدني، وتصحيح الصورة التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي عن الهجرة.
وختم بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء واقع يجعل الشباب يرون في وطنهم مستقبلًا يستحق أن يُبنى فيه، بدل أن تصبح الهجرة آخر أبواب الأمل.
إبراهيم حليم




