أخبار الحركةالرئيسية-رسالة الإصلاح

حين يصبح الرؤساء رصيدًا لا ماضيًا

في تفاعل مع مقال د. محمد أبو عجور: تداول السلطة والمسؤولية..حين يغادر القائد الكرسي ولا يغادر المشروع

  تعيش –مع كامل الأسف- معظم المؤسسات والتنظيمات أحوالا غير سليمة، حيث لا يستفيد الرّئيس الجديد من خبرة سابقه، ولا يحافظ عليه داعما ومؤازرا، وإنّما يعتبره مصدر إزعاج وقلق، وتضيق نفسه لاستيعابه والاستفادة من خبرته. وهذه الحالة تكاد تكون عامة في جل التنظيمات بما فيها التي ترفع شعار المرجعية الإسلامية.

ومن الصور المشرقة غير المألوفة؛ التي تعتز بها حركة التوحيد والإصلاح؛ أنها راكمت تجربة حضارية تستحق التقاسم في تداول المسؤوليات مع الحفاظ على الودّ والتّقدير للسابقِين واستيعابهم والاستفادة من خبراتهم. 

    وقد أحسن الأستاذ محمد أبو عجور – وهو ممن يراقب أحوال التنظيمات الإصلاحية ويكتب لأجل تطوير أداءها- حين توقّف عند الصورة المرفقة بهذا المقال، والتي جمعت قيادات أربع متتالية لحركة التوحيد والإصلاح؛ فقرأ فيها قيمةً تربويةً حضارية قبل أن يقرأ فيها مجرّد تداولٍ للمسؤوليات. وكَتَب مقالا يشيد بهذه التجربة؛ إذ العبرة في بقاء المشروع أكبر من الجميع، وفي استمرار الأخوّة والثقة والتكامل بين من تعاقبوا على حمل الأمانة.  وهي تختزن معنى عميقًا من معاني البناء المؤسسي المتين.

   إن المسؤول العاقل هو الذي لا يفرّط في خبرات من سبقوه؛ بل يرجع إليهم باستمرار مستفيدا من خبراتهم، ومن اقتراحاتهم ونصائحهم. وهو أيضا الذي لا يفرّط في مثل هذا الإرث، ولا يعتبره مرحلة انقضت؛ لأن المؤسسات إنما تُبنى بتراكم الخبرات، وحفظِ الذاكرة، وصيانةِ الرصيد البشري الذي صنع مسيرتها. وإن خسارة الخبرات بعد انتهاء المسؤوليات؛ إنّما هي صورة من صور هدر رأس المال البشري النّفيس. والمؤسسات الراشدة هي التي تعرف كيف تستثمر كل طاقاتها، حتّى بعد مغادرتها مواقع القرار.

   ولعل من جميل ما منّ الله به على حركة التّوحيد والإصلاح؛ أن الرؤساء الذين تعاقبوا على قيادتها يُمثِّل كل واحد منهم مدرسة قائمة بذاتها، بما حباه الله من مواهب وتخصّصات وكفاءات.

فالأستاذ الدكتور أحمد الريسوني العالم العامل، والفقيه المقاصدي، الذي يُعدّ من أبرز أعلام هذا الحقل العلمي في عصرنا؛ لا تزال الحركة تنتفع بعطائه وتكوينه وتأصيله، ومن ذلك إشرافه العلمي على أكاديمية “مقاصد” التي أصبحت منارة للتأهيل في قواعد لمقاصد. وقد وصل إشعاعه العلمي إلى جُل بلاد الإسلام وتُرجِمت كتبه لكثير من لغات العالم، ولا أدل على ذلك كلِّه مِن تكريمه من طرف سلطان ماليزيا بجائزة السنة للهجرة النبوية للعام 1448 هـ .

أما الأستاذ المهندس محمد الحمداوي فهو صاحب الرؤية الفكرية والاستشرافية، والذي أسهم في بناء كثير من التصورات الكبرى للحركة، وفي ترسيخ الوعي الحضاري برسالتها؛ فهو ما يزال يؤدي هذا الدور من خلال منسقية مجلس الشورى ولجنة الرؤى والتصورات (إحدى أهم اللجان الدائمة المنبثقة عن مجلس الشورى). كما يُسهم في نقل تجربة الحركة إلى كثير من أبناء الصحوة الإسلامية في دول العالم العربي والإسلامي.

أما الأستاذ المهندس عبد الرحيم شيخي، المخطِّط، المحقِّق والمدقِّق؛ الحريص على جودة الإنجاز، فهو ما يزال يؤدي رسالته من قلب المكتب التنفيذي، معينًا وناصحًا وداعمًا، على جبهات متعددة كالتواصل بالمؤسسات الدعوية، ودعم قضايا الأمّة بكلّ نكران للذّات وخاصة قضية غزة وفلسطين، حيث انخرط بدون تردّد في أسطول وقافلة فك الحصار عن أهلنا في غزة.

  أما الدكتور أوس رمّال، رابع من أخذ مشعل قيادة هذه الحركة إلى الآن، فهو مِمّن له بصمات في جوانب متعددة من أعمال للحركة كمجال التربية وتنمية القدرات وبناء التنظيم؛ حتّى قبل ترأّسه للحركة. وحين اختاره الجمع للرّئاسة سنة 2022؛ ظل حريصا على الاستفادة من خبرة الرؤساء السابقين، وما فتئ إلى اليوم ينادي كلّ واحد منهم ب:”الأخ الرئيس”، ويحتفي بحضورهم وبمشاركتهم في لقاءات التشاور والتّفاكر. كما أنه وإن اختلف مع أحدهم في الرأي يحرص على الانصات للحجج، وإذا اقتنع بالرأي بادر إلى تبنّيه وإن كان يخالفه سابقا.

   إن خدمة المشروع لا تقف عند حدود المنصب، وإن الرئيس يبقى نافعا للمشروع الإصلاحي الذي تحمّل فيه المسؤولية ولو من خارج الموقع التنفيذي. وهذا درس تربوي عظيم ينبغي أن يتشرّبَه كل من يتحمل مسؤولية في أي مؤسسة دعوية أو تربوية أو مدنية؛ فالمواقع تتغير، والأدوار تتبدّل، أما الرسالة فلا تنتهي إلا بانتهاء العمر. وقد علّمنا القرآن هذا المعنى حين جعل التداول من سنن الحياة، فقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وجعل الشورى منهجًا دائمًا في تدبير الشأن العام، فقال جل شأنه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

ولهذا فإن القيادة مرحلة من مراحل العطاء، لا آخر محطاته. والقائد الصادق لا يورّث اسمَه، وإنما يورِّث القيمَ التي عاش لها، والرجالَ الذين ربّاهم، والمؤسسات التي بناها.  ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقال عن أي مشروع إصلاحي؛ “أنه إذا غادر أحدُ قادتِه موقعَه؛ بقي حاضرًا في خدمة رسالته، وبقيت المؤسسة تمضي إلى الأمام في انسجام وثقة وتكامل”.

فالمشروع أكبر من الأشخاص، والوفاء للفكرة أسمى من التعلّق بالموقع، والمسؤولية مجردّ باب لخدمة الدعوة، وليست عنوانًا للمكانة، والأصل أن يظل كل واحد -حيثما وضعه الله- جنديًا في خدمة هذا المشروع المبارك، يبذل من وقته وخبرته وعلمه ما استطاع؛ حتى يلقى الله وهو يحمل شرف الإسهام في بناء الخير.

وذلك أحد معاني قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. والحمد لله ربّ العالمين.

 

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى