الرئيسية-مقالات رأي

د عبد العزيز الإدريسي يكتب: القول الآمن حول فعاليات الجمعِ العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح

الحَلقة الأُولَى: الأخوّة في الله تَعارفًا وتآلفًا وتنَاصُحًا

بسم الله الرّحمن الرحَيم والصَّلاة والسَّلام على مـحمـد نبي المرحمة  وآله الغـر الكرام البررة وصـحبه المنتخبين الخـيرة

تحتَ ظِلالِ وهِدايات قولِه تعالى من سورةِ آلِ عِمران :﴿ وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءً فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِ إِخۡوَانًا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٍ مِنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِنۡهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَاياتِهِ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّة يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ انطلقتْ فعالياتُ الجمعِ العامِّ الوطنيِّ الثامنِ لحركةِ التوحيدِ والإصلاحِ (أيام 11-12-13-جمادى1448هـ الموافق23-24-25 أكتوبر 2026م) في أجواء أخوية وربّانية وتناصحيّة.

هي الأجواء نفسُها التي ظلَّلتِ الجُموع العامّة السبعةَ السابقةَ، من الاعتصامِ بحبلِ اللهِ المتينِ بدلَ الاعتصامِ بالأشخاصِ والوَسائل، ومن ذِكرِ نعمةِ اللهِ التي ألَّفتْ بينَ قلوبٍ شتى من وهيئات ومُدنٍ وجهات وأجيال وتخصصاتٍ مختلفةٍ فأصبحتْ بنعمتِه إخوانا، ومن استحضارِ أن رسالة الإصلاح بما هي استقامة ومقاومة هي وظيفةِ الأمةِ التي تدعو إلى الخيرِ أمرًا بالمعروفِ ونهيًا عن المنكرِ.

في انسيابيةٍ ورساليّة ولينٍ، يلتحقُ الإخوةُ المؤتمرونَ والأخواتُ المؤتمراتُ صبيحةَ يومِ الجمعةِ، أوّل أيامِ الجمعِ العامِّ الوطنيِّ الثامنِ، بمُجمَّعِ مولاي رشيد للشبابِ والطفولةِ ببوزنيقةَ قُرب مدينة الدار البيضاء؛ هناك، ومنذُ اللحظةِ الأولى عندَ البوابةِ، يجدونَ لجانَ الاستقبالِ من الشّبابِ والشاباتِ، بابتساماتِهم الصادقةِ، ووجوهِهم المشرقةِ، وكلماتِهم الطيبةِ: “مرحبا بكم.. تقبلَ اللهُ خطواتِكم.. ستُّ خيمات: خيمة جهة الوَسط- خيمة جهة الشمال الغربي- خيمة جهة الجنوب- خيمة جهة القرويين- وخيمة مجلس الشورى، ثم خيمة التّمر والحليب على عادة المغاربة، يتسلم المؤتمرون الشّارة والحقيبة ويلتحقُون بأماكن الإقَامة في انتظار الجَلسة الافتَتاحية، والتِّي سنُخصص لها حلقةً من هذه الحَلقات.

لا حواجزَ ولا تعقيداتٍ، بل انسيابيةٌ في التنظيمِ، ورساليةٌ في الأداءِ، ولينٌ في المعاملةِ، كأنَّ كلَّ شابٍّ وشابةٍ في لجنةِ الاستقبالِ يقولُ بلسانِ الحالِ: نحنُ هنا لخدمتِكم، لنُريحَكم، لنتعلمَ منكم، فتدخلُ وأنتَ ترى التآلفَ قبلَ أنْ تسمعَ النقاشَ، وترى المحبةَ قبلَ التّداول، وتشهدُ التَّطاوع بدَل التَّنازع، إنه أولُ درسٍ من دروسِ الجمعِ الثامنِ: أنَّ الاستقامةَ التي ينهضُ بها الوطنُ، تبدأُ من استقامةِ القلبِ على الابتسامةِ الصادقةِ، وأنَّ المقاومةَ التي تعزُّ بها الأمةُ، تبدأُ من مقاومةِ الكِبرِ والجفاءِ بلينِ الأخوةِ وسَلامة السَّريرة.

 ولذلك لم يكنْ الجمعُ الثامنُ مجردَ محطةٍ تنظيميةٍ لانتخابِ قيادةٍ جديدةٍ أو مصادقةٍ على تقارير، أو إدخال لتَعديلات على القانونَين الداخلي والتنظيمي، أو تحيين للمخطط الاستراتيجي، بل كانَ لحظةَ تعميق المحبةُ وتوطيد وشائج الأخوة، فالمحبةُ في الحركة لم تكنْ محبةَ مصلحةٍ أو محبةَ مجاملةٍ، بل كانتْ محبةً خالصةً في اللهِ تعالى، من جيلِ التأسيسِ الذينَ شابتْ لحاهم  ورؤوسهم في الدعوةِ إلى الجيلِ الثاني و الثالث و الرابع، مصداقا لقولِه صلى الله عليه وسلم “الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ فما تعارفَ منها ائتلفَ وما تناكرَ منها اختلفَ”، تجند تعارف فقط لأنها اجتمعت على نهْج الدًّعوة و سَبيل الإصلاح، وتتعمقُ هذه المعاني عند وَجَبات الإطعام ، وفي مراقد النوم، وفي الممرات، وفضاءات الاستراحة؛ حيث ُيجتمع كل عشرة على مائدة  الإفطار والغذاء والعَشاء، فتبدأ سنةُ التعارف: أخوكُم في الله ومحبُّكم فيه.. وعقبَ كلّ تقديم يكون الدّعاء والصّلاح والفَلاح، قالَ الإمام الشّافعي رحمه الله في بيته المشهور:

سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها    صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا

ثمَّ تنهمرُ مشاهدُ الأخوة خلال أيام الجمعِ معزِّزة معاني التآلف والتّناصح واللين وخَفض الجناحِ، ليتحول الجمعُ العام من مؤتمرٍ تنظيميٍّ إلى مدرسةٍ تربويةٍ حيةٍ تمتدُ آثارها في هياكل الحَركة ومؤسساتها وتخصصاتها وفروعها وجموعها العامة والإقليمية، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ63﴾ سورة الأنفال.

إنَّ التعارفَ الذي أطرَّ فعالياتِ الجمعِ العامِّ الوطنيِّ الثامنِ، يستهدي بقولهِ تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ 199﴾ سورة الأعراف، وبقولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ 13﴾ سورة الحجرات، فالتعارفُ هنا ليسَ مجردَ معرفةِ الأسماءِ والألقابِ والمهام فقط، بل هو تعارفُ قلوبٍ وأرواح وعزائم وهِمم، وتعاهدٌ على الاستمرارية في خدمة الإسلام دَعوة وتربية وتأهيلا رِساليّا وإصلاحا مجتمعيًّا.

 وكان من ثمار التّعارف تحقيق التآلف الممتد، والوداد المتعد ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ فهذا الأخ من مكناس يسأل عن الإخوة في آسفي، وهذا من الصويرة يسأل عن الأخوة في خريبكة، وهذا الأستاذ الحجة المقرئ أبو زيد الإدريسي يلتف حوله جمهرة من الإخوة والأخوات في تفاعل عفوي وتفاكر أخوي، وهؤلاء إخوة وأخوات طنجة يأخذون صُورة جماعية لا تكلف فيها ولا تصنُّع، تخلّدُ الذكرى وتحققُ البُشرى.

لم يَكن تآلف القُلوب والوجوه فقط، بل كان تآلف مشاريع وهموم، تجده في الحوارات الثنائية والثلاثية وغيرها همَّ الدعوة والإصلاح، وهمّ الهيكلة والتنظيم، وهمّ الأسرة والتعليم، وهمَّ القيم والهوية، وهمَّ الوطن والأمة، وهمَّ الصحراء المغربية وفلسطين، وهم الفِكر والكِتاب، وهمَّ الطفولة والشباب و…، كلها هموم تتآلف في قلب واحد هو قَلب الحركة، لتتحول إلى مشاريع تعتمل في عَقلها.

وباعتبار حركة التوحيد والإصلاح حركة إسلامية إصلاحية، فإن التناصح هو روحها وهو سر بقائها، فعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم، وهو بالمناسبة تناصح لا تكلف فيه ولا مجاملة، فمحطة مناقشة التقريرين الأدبي والمالي مثلا هي محطة تناصحية بامتيَاز، فيها من التوجيه والنَّقد والتّقويم والتصويب والمُراجعة والمحاسبة والتقييم والتفاعل، ما جَعلها دورة تكوينيةً في مهارات حُسن الإنصات والحوار والاختلاف والانضباط للمسير، والالتزام بالوقت، والأدب الجم.

ومما شهدهُ الجمع اعتذار أحد الإخوة لأحد المرشحين للرئاسة مقبِّلا رأسه، بَعد نُصحه من بعض الإخوة بأن تَدخله في مَرحلة التداول كان فيه شيء من التجاوز، إنه تحقيق لقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾، فالتواصي هو التناصح، ولم يكن هذا التناصح نقدا هدَّاما، ولا تصفية حسابات، بل كان تناصحا  أخويا صادقا مؤطرا بقوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ سورة النحل الآية 125.

***

ذلك هو القولُ الآمن في الحلقة الأولى، ونواصل في الحلقة الثانية بإذن الله الحَديث عن الجلسة الافتتاحية ودلالاتها الرساليّة.

والحمدُ لله الذِي بنعمته تتمُّ الصَّالحات

د. عبد العزيز الإدريسي

أخبار / مقالات ذات صلة