أخبارالرئيسية-ثقافة و مجتمعمقالات رأي

همام يكتب: وداعا محمد عمارة، المفكر الإسلامي الاستثنائي

ترجل أستاذ الأجيال محمد عمارة، رحمه الله. لم أكن أزور مصر إلا وحرصت على زيارته. كان رجلا كريما متواضعا محبا لأهل المغرب. وكان يسألني باستمرار عن الحالة الثقافية في المغرب. وكان كثير السؤال عن الجابري وطه عبد الرحمن والعروي، وآخرين ؛ يسأل عن صحتهم أولا، ثم عن انتجاتهم العلمية الجديدة، وعن علاقتهم بالشباب. فالجلوس إلى محمد عمارة جلوس إلى مفكر استثنائي، من دون مبالغة؛ اطلاع واسع ومدهش، وتكوين موسوعي متعدد الحقول والتخصصات، وذاكرة حادة جدا تحتفظ بأدق التفاصيل في حياتنا الفكرية والثقافية، وإلمام دقيق بخرائط الثقافة العربية الإسلامية، وبتيارات الفكر الإسلامي قديما وحديثا. وقد اكتسب هذه الخاصية، بنظرنا، من مسار حياته العلمية والفكرية والسياسية؛ مسار غني ومتنوع، عرف تحولات وانعطافات في الفكر والمنهج والموقف. ولد لأب فلاح من كفر الشيخ بمصر، سنة1931م. كان مساره الدراسي أزهريا، وكان معتزا بأزهريته! طرد من الكلية سنة 1957، في سياق صراع اليسار مع عبد الناصر وضباطه، بعد( ثورة1952). وكان يومها هوى الأستاذ محمد عمارة يساريا. حصل على الإجازة في اللغة العربية والعلوم الإسلامية بعد خروجه من السجن سنة1965. وكان لدراسته في قسم الفلسفة الإسلامية دور في تعميق ميولاته اليسارية؛ وكان مولعا بفكر المعتزلة؛ وأنجز فيه بحثين أكاديميين: الأول على مستوى الماجستير، بعنوان: ” مشكلة الحرية الإنسانية عند المعتزلة”، سنة 1970، والثاني على مستوى الدكتوراه، بعنوان: ” نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة”، سنة 1975. وحقق رسائل العدل والتوحيد. ونجد في سيرة محمد عمارة، رحمه الله، مزاوجة مثمرة بين الفكر والسياسة والاهتمام بالشأن العام ، بشكل مثير للانتباه. فقد قضى فترة نضالية في حزب ” مصر الفتاة”، بتوجهه العروبي الوطني المقاوم للاستعمار، ثم عاش تجربة حزبية جديدة في ” الحزب الاشتراكي”. وفي هذا السياق تشكلت خلفيته النضالية اليسارية ونضجت ، وكلفته خمس سنوات سجنا. وكانت فترة السجن فرصة له للقيام بمراجعات فكرية هيأته لولوج محطة جديدة ومفصلية في حياته ، هي ( المحطة الإسلامية)، بتحفظ شديد! ذلك أن مرحلته العروبية، أو اليسارية، لم تكن بعيدة عن الأرضية الدينية بعامة المؤطرة للمزاج العام الاجتماعي والفكري في مصر، وفي بقية البلدان العربية. كما أن أيديولوجيا حزب ” مصر الفتاة” نفسه كانت مزيجا من الاشتراكية والإسلامية! وكان الدين حينها العمولة الأيديولوجية التحريضية المناسبة لمقاومة الاستعمار.كما أن تفرغه الفكري وتكوينه الأكاديمي العالي جعله على صلات وثيقة بكل خرائط الفكر العربي الإسلامي، وبكل مدارسه وتياراته الثقافية والسياسية. فقد عاش متفرغا للبحث، مطالعة وتأليفا. وكان يعتبر الوظيفة العمومية شكلا من أشكال العبودية لاتليق بالباحث وبالمفكر، لذلك نفر منها ورفض عروضا وظيفية كثيرة. وظل متنسكا وعابدا ومنقطعا للبحث في محرابه. ولم يقبل إلا المهام البحثية المندرجة في مشاريعه الفكرية وفي أجندته البحثية؛ مثل عضوية ” مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر”، وكان من أبرز عقوله ومحكميه وحكمائه. وكان له دور كبير في دفع مجمع البحوث الإسلامية لولوج غمار الجدل الديني والفكري، مع المخالفين، من التيارات العلمانية، بأدوات الفكر ومقتضيات البحث، بعيدا عن اللغة الحدية، والاتهامات، والتكفير، ولغة الوصاية. كما مارس أدوارا فكرية تحكيمية في الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفي منابر أخرى. لقد عمل محمد عمارة، رحمه الله، طيلة حياته على تحقيق أمنية أبيه الفلاح، وهي أن يكون هبة للعلم. لذلك أعطاه عمره وحياته، وأنجز أعمالا تعجز اليوم المؤسسات عن إنجازها، تحقيقا وتأليفا وتدقيقا وتصحيحا وسجالا وردودا… فقد حقق الأعمال الكاملة لمفكري النهضة الأساسيين؛ خصوصا أعمال: رفاعة رافع الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وعلي مبارك،… تتجاوز كتبه مائتين وخمسين مؤلفا؛ في التحقيق، وفي التحليل، وفي النقد، وفي التنظير، وفي المنهج، وفي التأريخ للأفكار، وفي الردود والسجال… وبحث بإبداعية وعمق غير مسبوقين في الفكر الإسلامي المعاصر في فترته في موضوعات: التراث، والحرية، والنهضة، واليقظة، والعلمانية، والتعددية، والخصوصية، والسياسة، والجماعة الإسلامية، والتجديد، والانتماء الثقافي، وصراع القيم، والعقل، والإصلاح، والتنوير، والمعرفة، والمدنية، والأقليات، ومسلمون ثوار، والموسيقى، والجمال… ونقد العروبيين، واليساريين، والإسلاميين، ونقد السلطة، وهاجم الاستبداد السياسي. لايخفي نزعته الإسلامية بل يعتز بها ويدافع عن أطروحة الفكر الإسلامي. دافع عن الحركات الإسلامية، وعن حقها في الوجود السياسي. ودافع عن ( الإخوان المسلمون)، لكنه لا يعرف عنه أي ارتباط تنظيمي بهذه الحركات والجماعات الإسلامية السياسية، بل انتقدها بقسوة، في أكثر من كتاب، وفي مقالات كثيرة، وظل محتفظا باستقلاليته الفكرية، وبمسافات موضوعية من حركات الإسلام السياسي. وتوسط بين الجماعات الإسلامية المسلحة في مصر وبين السلطة. فهو يتمتع بمصداقية كبيرة عند عموم الإسلاميين. وكان له الدور الكبير، رفقة الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي، والأستاذ طارق البشري، والأستاذ سليم العوا، والأستاذ فهمي هويدي، في بناء جذر فكري معتدل ووسطي عند عموم الجماعات الإسلامية في مصر على الخصوص. وساهم بشكل كبير في تأسيس أطروحة ” إسلامية المعرفة”، باعتبارها من الأطروحات الأكاديمية الجديدة في الفكر الإسلامي المعاصر، والتي أشرف عليها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.عرف بسجالاته الفكرية مع رموز اليسار، ومع رموز الليبراليين، ومع السلفيين، في مصر وفي العالم العربي. واشتبك مع رموز الكنيسة القبطية التي هاجمته هي الأخرى أكثر من مرة ودعت إلى حظر مقالاته! التي كان ينشرها في صحيفة ” أخبار اليوم”، ورفعت عليه دعوى قضائية. وكان يميل، رحمه الله، إلى أن الكنيسة تمثل(طابورا خامسا) في مصر. انحاز إلى ثورات الربيع العربي2011، ودعم ثورة25 يناير في مصر. وهاجم الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي. ومنذ التسعينات وهو يهاجم السياسة الأمريكية ذات النزعة الهيمنية في المنطقة العربية، والداعمة، بنظره، بلا حدود لإسرائيل. هذا هو محمد عمارة المفكر الذي ملأت كتبه الآفاق، وأصبح أشهر من علم على رأسه نار! ولكن عندما تزوره في بيته في شارع الزيتون بالقاهرة، ستكتشف رجلا متواضعا وبسيطا، في بيت متواضع، تطل عليك فيه الكتب من كل جانب. يقبل عليك بأريحية، ويستمع إليك باهتمام، حتى يراودك الشك: أهذا هو المفكر محمد عمارة؟ تواضع جم إلى حدود الخجل، وعمق إنساني، ورحابة صدر. عندما يتكلم، فكأنه شلال متدفق من المعارف والأفكار، باتساق وانسجام، ومن دون رطانة أو تكرار . وبالمناسبة فقد وهبه الله بلاغة القلم وبلاغة اللسان معها. تشرفت أن ح ضرت معه أكثر من مؤتمر، وأكثر من دورة تدريبية، وكان نعم الأستاذ، ونعم العالم، ونعم الإنسان.رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وتقبله في الصالحين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كما أذكر أن الدكتور يوسف القرضاوي قد كتب كتابا معرفا بالدكتور محمد عمارة يسلط الضوء فيه عن أهم ما ميزه وفرده عن غيره رحمه الله تحت عنوان: “الدكتور محمد عمارة: الحارس اليقظ المرابط على ثغور الإسلام”.

د. محمد همام

 

 

 

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى