نحو ولادة طبيعية – خالد الصمدي

ثلاث مناسبات متساوقة في الزمن تؤشر على تحولات ستعيشها الهندسة اللغوية في المنظومة التربوية المغربية، وكل واحدة منها جعلت بال الرأي العام الوطني والفاعلين والمهتمين بمجال التربية والتعليم  منشغلا بسؤال الرؤية والتنفيذ والتنزيل : 

الأولى: ما ورد على لسان السيد وزير التربية الوطنية في الندوة الصحفية التي عقدها بمناسبة الدخول المدرسي والتي  تحدث فيها عن مخطط الوزارة للاهتمام باللغة الانجليزية لغة مدرسة ولغة تدريس.

الثانية: عرض السيد وزير التعليم العالي اليوم في مجلس النواب والذي كان غنيا بالمعطيات، والذي كشف فيه عن توجه الوزارة إلى اعتماد مسالك باللغة الانجليزية في جميع التخصصات، وإجباربة الحصول على إشهاد في هذه اللغة قبل مناقشة أطروحة الدكتوراة.

والثالثة: تصريح مدير المناهج باعتزام الوزارة فتح 250 قسم لتدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الانجليزية على سبيل التجريب قبل التعميم في مؤسسات التعليم العمومي، مع السعي إلى تعميم تدريس اللغة الانجليزية في التعليم الاعدادي ابتداء من السنة القادمة 2023، دون أن تدرج  الوزارتان هذا التوجه وهذه القرارات ضمن رؤية واضحة يؤطرها القانون الإطار 71-51 على المدى المتوسط والبعيد، علما بأن مثل هذه القرارات تقتضي الولوج إلى البيوت من أبوابها، حتى لا تفسر بأنها  متأثرة بسياقات أو تحولات ظرفية.

الباب الطبيعي الاول : إخراج اللجنة الدائمة للبرامج والمناهج الى حيز الوجود بعدما صدر مرسوم إحداثها ونشر بالجريدة الرسمية  نهاية الولاية الحكومية السابقة، فهي صاحبة الاختصاص في بناء وتنزيل هندسة لغوية واضحة ومنسجمة خلال جميع أطوار التربية والتكوين.

الباب الثاني : إتمام مسطرة إخراج مرسوم الهندسة اللغوية الذي تم إعداد مشروعه في الولاية الحكومية السابقة وتم إحالته طبقا للقانون إلى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والذي أبدى الرأي بشأنه وينتظر من الحكومة الحالية إدخال التعديلات المطلوبة من طرف المجلس والمصادقة عليه في مجلس الحكومة في أقرب الآجال، ثم الشروع في تنزيل الهندسة اللغوية في صوئه بمنظور شمولي ومتدرج، مما من شأنه أن يعطي مزيدا من المصداقية لهذه القرارات، ويضع الحد للوضعية التي تعرفها المنظومة التربوية حاليا على مستوى لغات التدريس وتدريس اللغات .

الباب الثاني: هناك مقتضيات في الهندسة اللغوية حسم فيها القانون ولم يحلها إلى المرسوم، ومنها إحداث مسالك في التعليم العالي باللغة العربية، وإجباربة إدراج وحدة دراسية تدرس باللغة العربية في جميع المسالك المدرسة باللغات الأجنبية في التعليم العالي، دون أن تجد  هذه المقتضيات طريقها إلى التنفيذ، ودون أن نجد لها أثرا في عرض الوزير خلال حديثه عن التغيرات التي قررت الوزارة أن تحدثها في الهندسة اللغوية بالتعليم العالي.

انطلاقا من كل ما سبق يتوق الفاعلون في المنظومة التربوية إلى تنزيل هندسة لغوية متكاملة ومنسجمة في مختلف أطوار ومكونات المنظومة تضمن الإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ، أما إطلاق تكوينات بالفرنسية التي لا زالت تسوق تحت عنوان ” باكلوريا دولية ” وهي من ذلك براء، مع تجفيف منابع الخيار الوطني بالعربية، وهو ما يطرح صعوبات جمة في التعلمات أثرت على مستويات المتعلمين وتصاعدت بشأنها تنبيهات الفاعلين بما فيهم أساتذة المواد العلمية والتقنية أنفسهم، ثم القفز مباشرة إلى فتح مسارات لتدريس هذه المواد باللغة الإنجليزية دفعة واحدة دون أن تفصح الوزارة عن إمكانياتها من الموارد البشرية واللوجستيكية التي تضمن نجاح المشروع.

وإذا كان كل ذلك  يأتي في غياب اللجنة الدائمة للبرامج والمناهج صاحبة الاختصاص في الدراسة العلمية والبيداغوحية وتقدير الحاجيات البشرية واللوجستيكية لكل قرار من تلكم القرارات، وفي غياب مرسوم الهندسة اللغوية الذي يحدد الرؤية الشمولية والامتدادات في ضوء الكفايات اللغوية للمتعلمين والمحددة في القانون الإطار

 

في طرح أكثر من علامة استفهام؟

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى