أخبارالرئيسية-ثقافة و مجتمعحملة أمان واطمئنان (لمحاربة Covid19)

مقاومة الإسلام للإشاعات الكاذبة والأخبار الزائفة التي تشيع الهلع بين الناس

تنتشر الشائعات والأخبار الزائفة بشكل كبير خاصة في حالة الأزمات والشدائد والابتلاءات وتثير الهلع والفتنة بين الناس، وحرص الإسلام على التحذير منها وأضرارها على المجتمع والأفراد.

وتؤدي الإشاعات إلى صرف الناس عن الحق والصراط المستقيم انطلاقا من قوله تعالى )  فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص:5].

وضرر الإشاعة والأخبار الزائفة في حالات كثيرة أشد من ضرر القتل حيث أنها من أهم الوسائل المؤدية إلى الفتنة والوقيعة بين الناس انطلاقا من قوله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ)، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)، وكانت الإشاعة أشد من القتل لأن القتل قد يصيب نفسا واحدة أما إشاعة واحدة فقد تودي بحياة عدد من النفوس.

وحرم الإسلام المس بأعراض الناس وأسرارهم الخاصة عبر نشر الإشاعة والأخبار الزائفة فقال تعالى في كتابه العزيز (إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)  [النور:19]، وقوله سبحانه  ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ) [النور:4]. وقوله تعالى:  (  وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً  )  [الأحزاب:58].

ولم يسلم الأنبياء والمصلحون في الأرض من الشائعات والأخبار الزائفة فهذا عيسى عليه السلام تشكك الشائعات المغرضة فيه وفي أمة الصديقة: ( يٰأُ أخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً)  [مريم:28].وهذا نوح يقال له :مجنون ” قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر:9]ويوسف عليه السلام نموذج من نماذج الطهر والنقاء ضد الشائعات المغرضة التي تمس العرض والشرف، قال تعالى: (كَذالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوء وَٱلْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) [يوسف:24]. وفرعون أعظم سلاح كان عنده الشائعة قال عن موسى عليه السلام” (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [الأعراف:109].

أما النبي صلى الله عليه وسلم    فقد رُميت دعوته المباركة بالشائعات منذ بزوغها، فرُمي بالسحر والجنون والكذب والكهانة، وتفنن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة، والاتهامات الباطلة ضد دعوته، فما أرجعَ أصحابَ الهجرةِ الأولى إلى الحبشة منها إلى مكة إلا شائعة. وما صدَّ الناسَ عن النبي – صلى الله عليه وسلم  – في مكة إلا شائعة.

ولعل من أشهرها قصة الإفك المبين، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الشائعات، وهي تتناول بيت النبوة الطاهرة، وتتعرّض لعرض أكرم الخلق على الله، وعرض الصديق والصديقة رضي الله عنهم أجمعين، ولا زالت الألسنة الخبيثة تلوك هذه الشائعة إلى اليوم. وتشغل هذه الشائعة المسلمين بالمدينة شهراً كاملاً حتى انزل الله براءة الصديقة بنت الصديق، قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور:23].

ومن ذلك استغلال الكفار والمنافقين لحادث موت رسول الله  ، حين أخذوا يشنون الحرب النفسية ضد المسلمين عن طريق الشائعات المغرضة، زاعمين أن الإسلام قد انتهى، ولن تقوم له قائمة حتى أثّر ذلك على بعض الصحابة رضي الله عنهم، وظل الناس في اضطراب حتى هيّأ الله الصديق أبا بكر رضي الله عنه فحسم الموقف بتذكير الأمة بقول الحق تبارك وتعالى:  ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ   )  [آل عمران:144].

 وما استبيح دم أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – إلا بالشائعات التي تحمل الكذب والافتراء والطعن عليه – رضي الله عنه والأمثلة كثيرة.

وعد الإسلام نقل الشائعات والأخبار الزائفة سلوكا مرذولا منافيا للأخلاق، وحذر من الغيبة والوقيعة في الأعراض والكذب والبهتان، وأمر بحفظ اللسان وأبان خطورة الكلمة، وحرم القذف والإفك، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)  [النور:19].

كما دعا كتاب الله تعالى إلى تقديم المسلم حسن الظن في أخيه المسلم قال الله تعالى:  (لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ) [ سورة النور:12]. والشائعات مبنية على سوء الظن بالمسلمين، والله عز وجل يقول:   ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ )[الحجرات:12]، وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال: “إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا”.

كما حث الإسلام على التثبت والتبيّن في نقل الأخبار، وأن يطلب المسلم الدليل البرهاني على أية شائعة يسمعها، قال الله تعالى:   ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )  [الحجرات:6]، وأخبر سبحانه وتعالى أن الإنسان مسؤول أمام الله عز وجل ومحاسب عن كل صغير وجليل: ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18]،  وقال تعالى: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) [النور: 15].

ونهى الإسلام إطلاق الكلام على عواهنه، وإلغاء العقل عند كل شائعة، والتفكير عند كل ذائعة، أو الانسياق وراء كل ناعق، وتصديق قول كل دعيٍّ مارق، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : “كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)”، وفي رواية: “كفى بالمرء إثما”. ودعا إلى إرجاع الأمر لأهل الاختصاص: يقول الله تعالى: (  وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء:83]. بالإضافة إلى التفكر في عواقب الإشاعة. و عودة مرة ثالثة للآية السابقة في سورة الحجرات يقول الله تعالى: (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ).

لذلك اهتم الإسلام أيما اهتمام بتماسك المجتمع عبر تحريم تداول الإشاعات والتعاطي معها وتصدى للأخبار الزائفة والتبين عند أي خبر أو شائعة وعدم التسرع في اتخاذ أي حكم أو قرار لأن ذلك قد ينجم عنه فتنة أو اختلال داخل المجتمع وأضرار تفوق قتل النفس الواحدة.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق